الرئيسية / ابحاث ودراسات / د. عصام خليفة حول كتاب د. أنطوان داغر “رسائل لرجال من زمن النضال”

د. عصام خليفة حول كتاب د. أنطوان داغر “رسائل لرجال من زمن النضال”

أقام المجلس الثقافي في بلاد جبيل ولقاء الاثنين كسروان-الفتوح ونادي عاليه الاجتماعي، ندوة حول كتاب “رسائل لرجال من زمن النضال” (مراسلات اسعد مفلح داغر) للدكتور انطوان داغر في قاعة دير سيدة المعونات في جبيل، شارك فيها كل من الدكاترة ساسين عساف، هاشم الأيوبي، عصام خليفة، حافظ الصايغ.

وجاء في مداخلة د. خليفة:

لا يمكن فهم أهمية المناضل التنوري اللبناني العربي اسعد مفلح داغر إلاّ في سياق وضعه في اطار الهجرة التي حصلت او النهضة الثقافية الكبرى التي انجزها اللبنانيون في وادي النيل في النصف الأول من القرن العشرين.

1- منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت الهجرة من متصرفية جبل لبنان ويُرجع البعض أسبابها الى عوامل جيوفيزيائية، متمثلة بقسوة المناخ وضيق رقعة الأرض، وأسباب اقتصادية كجدب الأرض وبوار المواسم، ودوافع سياسية كطغيان السلطات الحاكمة واضطراب حبل الامن، وحوافز ديمغرافية اجتماعية مثل ازدحام السكان واختلاف الاجناس وتباين الملل(1). هكذا باتت الأرض غير وافية بحاجات اللبنانيين، والتجارة تكاد لا تذكر، والصناعة لا رواج لها، والنظام السياسي اصبح مضراً بعد مرور الزمن عليه(2).

اللبنانيون في مصر

2- ان الخريطة الثقافية لما قام به اللبنانيون في مصر، في هذه المرحلة لم يدرس بعمق، حتى الآن.

في دار المقطّم والمقتطف كان فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس، ومعهم بشر فارس ونقولا حداد وخليل ثابت وابنه كريم وغيرهم يخوضون تجربة نشر الفكر العلمي العقلاني والحداثة في أوساط النخب العربية.

وفي دار الهلال كان جرجي زيدان، وحبيب جاماتي، واميل وشكري زيدان، يبثون ثقافة التراث العربي والإسلامي ويجددون في قراءة هذا التراث. وقد صدر عن هذه الدار المصوّر، كل شيء والدنيا، الاثنين، الكواكب، سمير (للأطفال)، حواء (للمرأة)، وimages بالفرنسية.

وفي دار البصير كان معقل آل الشميّل، شبلي وسبع وامين، وطانيوس عبدو وخليل زينية، يخوضون معارك تحطيم تابوهات الماضي ويرسّخون ثقافة الحداثة والاشتراكية الديمقراطية في مواجهة الفكر الظلامي المتحجر.

في روز اليوسف تقوم فاطمة اليوسف (الطرابلسية) والدة احسان عبد القدوس، بتجربة صحفية رائدة، وكذلك يصدر الشيخ يوسف الخازن صحيفة الاخبار – بمساعدة داود بركات- وقد اشتراها لاحقاً مصطفى وأمين الرافعي (الطرابلسيان).

واصدر الياس زيادة والد مي جريدة المحروسة، والشيخ رشيد رضا، ابن القلمون، اصدر المنار التي كان لها تأثيرها على امتداد العالم الإسلامي.

ورفيق جبور اليساري الماركسي، ابن زحلة، اصدر جريدة الحساب. وبموازاته كان يناضل في صفوف نقابات العمال المصرية المحامي أنطوان مارون الذي توفي قهراً في المعتقل بسبب ارائه الاشتراكية ودفاعه عن الحركة النقابية.

سليم سركيس كان يصدر مجلة سركيس، ونجيب متري وابنه شفيق اشرفا على اكبر دار نشر في العالم العربي (دار المعارف) وقد تأممت عام 1961.

في دار الاهرام، كان معقل العقول اللبنانية والعربية الكبيرة (جبرائيل تقلا، داود بركات شيخ الصحافة العربية، أنطون باشا الجميّل، نجيب كنعان، هنري بحري وخليل مطران) وفي هذه الجريدة عمل اسعد مفلح مسؤولاً عن قسم الاخبار العربية.

وقد عاشت اسيا داغر عند اسعد وقادت مع ابنة تنورين الأخرى ماري يونس (كويني) النهضة الفنية في مجال السينما. وكذلك ابن دلبتا جورج ابيض رائد المسرح، وعزيز عبد مؤسس الإخراج المسرحي في مصر والعالم العربي.

وغيرهم الكثير من اللبنانيين في مختلف مجالات الادب والفن والاعلام وشتى الوان الثقافة.

3- اسعد مفلح داغر تلقى علومه الأولى في مدرسة عينطورا، وسافر عام 1904 الى إسطنبول لدراسة الحقوق. وفي عاصمة السلطنة توطدت صداقته مع رفاق في النضال ومنهم رياض الصلح، عبد الكريم الخليل، إبراهيم سليم النجار، الفريق عزيز علي المصري ويوسف العظمة وغيرهم. وحين اعتمد الدستور العثماني عام 1908 – وكان من اللجنة المصغرة التي وضعته عام 1876 المثقف اللبناني خليل غانم خريج عينطورا أيضاً – استبشر ابن تنورين خيراً، لكن مع ارتداد عبد الحميد عام 1909 وصعود تيار التتريك الطوراني لدى جمعية “الاتحاد والترقي” تخوف من الاضطهاد وفر الى مصر.

شارك اسعد في المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس عام 1913، وكان بين الذين رفضوا استبدال الحكم العثماني بحكم أوروبي. كان بين المؤسسين لحزب الاستقلال العربي الذي دعم حكومة الملك فيصل الأول في دمشق عام 1918 وبدمشق اصدر جريدة العقاب وما لبث ان خرج ليل دخول الفرنسيين بعد ميسلون وذهب الى القاهرة. وكان واحداً ممن صاغوا “الميثاق القومي العربي” الذي اعلن من القدس عام 1931. بعد اجتماع عقد في منزل عوني عبد الهادي، ذلك الميثاق الذي دعا الى الوحدة العربية ومناهضة الاستعمار. لقد بدأ اسعد داغر عمله الصحفي في جريدة “المقطم” وكان مراسلاً لها في إسطنبول. وما لبث ان انتقل الى جريدة الاهرام حيث اصبح محرر الشؤون العربية فيها كان مكتبه منتدى يلتقي فيه رجالات السياسة العرب، ومنهم عبد الرحمن عزام، احمد الشقيري وسائر الأسماء الواردة في كتاب الصديق أنطوان داغر. وقد ظل داغر في الاهرام حتى العام 1953. وعمل مسؤولاً عن دائرة الصحافة في جامعة الدول العربية بين العامين 1945 و 1954. وفي العام 1953 اصدر، بالتعاون مع الصحفي الفلسطيني إبراهيم الشنطي، جريدة القاهرة اليومية والمسائية، التي توقفت مع وفاته في 27 نوفمبر 1958.

لقد كان اسعد صاحب علاقات واسعة مع مختلف القادة العرب، وكان صاحب ثقافة واسعة ومعرفة عميقة بخلفيات السياسات الدولية والإقليمية. كان موقعه في الاهرام يسمح له بفهم ما يجري على الأرض العربية. كان مستقلاً عن الصراعات الشخصية والفئوية وما تدخل يوماً بالحزازات ولا طمح لمركز او مكسب مادي او شخصي وهذا الوضع أدى الى ان يثق به الجميع، وان يرتاحوا اليه لاسيما وانه وقف ضد غرائز بيئته الصغرى. جمع بين التعمق في التراث العربي وامتلاك جوهر الحداثة الغربية.

4- في كتاب “رسائل لرجال من زمن النضال (من الثورة الكبرى في سوريا الى ثورة 23 يوليو 1952 في مصر) يكشف لنا الدكتور أنطوان داغر كنزاً ثميناً من الرسائل المتبادلة بين نسيبه اسعد واكثر من ثماني وعشرين شخصية قيادية من لبنان وسوريا وفلسطين والعراق والحجاز ومصر. وكان بين هؤلاء القادة “المحامي والديبلوماسي والطبيب والمؤرخ والباحث والاديب والشاعر والكاتب والمفكر والخطيب والصحافي والمفاوض والقائد العسكري ورجال الدولة…” (ص 10).

وقائع تاريخية

من خلال الاطلاع على هذه الرسائل يمكننا استنتاج وقائع تاريخية هامة قد لا نجدها في مصادر أخرى، ومن ابرزها:

‌أ- التأكد من محورية اسعد داغر في قيادة القضية العربية. فعجاج نويهض يدعوه “سيدي الأخ اسعد افندي” (ص 220) والرئيس شكري القوتلي يسميه الصديق الاعز او الأخ الاعز اسعد افندي” المثابر، انت الصريح الابي الكريم” (ص 164) ويختم “راجياً ان تكون راضياً عني” (ص 143) ونبيه العظمة يؤكد” اعلم ان لك في قلوبنا، وخاصة قلبي انا كل احترام لقاء ما يزين شخصيتك من اخلاص واخلاق عالية” (ص 278) احمد الشقيري يدعوه “اخي الوفي الالمعي” (ص 21) واكرم زعيتر يفتتح رسالته بالقول “اخي الاعز الأستاذ اسعد حفظه الله” (ص 39) والرئيس تقي الدين الصلح يناديه “سيدي العزيز” (ص 66). والرئيس حسين العويني يبدأ رسائله” اخي الحبيب اسعد حفظه الله ووقاه” ( ص 109). والرئيس رياض الصلح يفتتح رسالته بالقول “سيدي الأخ الكريم” (ص 130)

‌ب- من خلال تحليل بعض ما ورد في هذه الرسائل نستطيع ان نتعرف على خلفيات سياسات الكثير من الدول العربية، والصراعات الحاصلة بين القيادات العربية المختلفة.

‌ج- وكذلك نستطيع ان نتعرف على مواقف الكثير من الدول الأوروبية من القضايا العربية وبخاصة قضية فلسطين، ولواء الاسكندرون، ومشاريع الوحدة العربية. وكذلك يمكننا فهم اهداف السياسات الدولية وطموحاتها ومصالحها في المشرق العربي.

‌د- تبادل المعلومات حول آخر ما صدر من كتب تهم السياسيين باللغات العربية والأجنبية. كما يمكن ان نلاحظ معلومات هامة لا مجال لعرضها بتفصيل.

5- الدكتور أنطوان داغر يقوم بدور الدولة في تخليص أرشيف كبارنا من التلف والاندثار:

في الدول التي تحترم تاريخها وتعمل لتعميق ذاكرة شعبها التاريخية وبلورة الهوية الثقافية لابنائها، يبادر المسؤولون الى استحداث منشآت كبرى لتجميع الأرشيف الذي تضمن الوثائق المحلية والخارجية المتعلقة بتاريخ الشعب، وبخاصة تجميع أوراق وارشيف الرجالات الكبار الذين لعبوا دوراً طليعياً على مختلف الصعد.

ومنذ ان نظمنا المؤتمرات الاكاديمية في الجامعة اللبنانية وفي مختلف المناطق حول تاريخنا الوطني وعملنا على تجميع كل الوثائق المساعدة في التعمق في فهم تاريخ مجتمعنا، والمسؤولون يتفرجون على اندثار ارشيفاتنا الفردية والجماعية ولا من يتحرّك. لقد دعونا الى استحداث متحف للمجاعة واهوالها في الحرب العالمية الأولى توضع فيه الصور والوثائق والاسماء التي دافعت عن بقاء شعبنا وحتى الآن لا نزال في طور التفتيش ولولا الجهد الفردي للدكتور أنطوان داغر هل كان بإمكاننا ان نطّلع على هذه الرسائل؟ وماذا عن الصناديق الكثيرة في تلك الغرفة التي شاهدها الدكتور أنطوان في منزل شقيقتي اسعد؟ وماذا حلّ بها؟

ويمكنني ان اعدد عشرات الارشيفات لاشخاص كبار انجبهم شعبنا وتعرضت مكتباتهم الشخصية وارشيفاتهم للتلف والاندثار! مع العلم ان استاذنا الدكتور اسد رستم علمنا انه “اذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ”؟!

فهل من باب الصدفة ان تبقى وثائق كبارنا وارشيفات قرانا وبلداتنا ومؤسساتنا مرشحة للتلف والاندثار؟ وهل من باب الصدفة ايضاً ان لا يتم وضع منها ج لمادة التاريخ في المراحل الثانوية والتكميلية والابتدائية، وإنجاز كتب علمية تقوي الذاكرة الوطنية ووحدة الشعور بالمواطنية عند طلابنا وشبيبتنا في المدارس والجامعات؟

6- ان كتاب صديق الأيام الحلوة في ثانوية جبيل الرسمية وفي كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدكتور أنطوان داغر يتمتع بموضوعية ومنهجية علمية صارمة:

– بعد مقدمة علمية توضح الاطار الزمني للرسائل (بين عامي 1926 – 1958)، وأصحاب هذه الرسائل او مرسلوها، وبعد تعريف مكثف للداغري الكبير،

– يضع تعريفاً وافياً بجميع القادة من مرسلي الرسائل بحسب الترتيب الابجدي.

– ثم يعرض الرسائل بتسلسلها الزمني لكل قيادي.

– وفي هامش كل شخص ثمة تعريف بما يرد في الرسائل من أسماء واحداث وكلمان قد يتطلب السياق توضيح مضمونها.

– ثم هناك فهرس المرسلين ورسائلهم، ونماذج من الرسائل المخطوطة.

وفي الختام اسمح لي يا صديقي أنطوان، يا صاحب “ملوك الكلام”، ان اقدم لك اعمق مشاعر الشكر للخدمة الكبرى التي قدمتها لكل باحث في تاريخ حركة الأفكار في مجتمعنا، وما نأمله ان يزداد عدد العاملين مثلك على تخليص ارشيفاتنا المختلفة من الاندثار، وان يلهم الله مسؤولي هذا الوطن ان يهتموا بالانماء الثقافي في “موازناتهم” ويقووا المؤسسات التربوية (المدارس والجامعات) ومراكز الأبحاث، وان لا يسلموها للمزورين من أصحاب الملفات المشكوك في صحتها.

وعلى كل حال قدر شعبنا اللبناني، من خلال نخبه، ان يستمر عاملاً من اجل حداثة ونهضة الثقافة في بيئتنا العربية مهما اشتدت وطأة التحديات.

عن mcg

شاهد أيضاً

أكثر من ألفي أستاذ وطالب تجمعوا في ساحة رياض الصلح دعما للجامعة اللبنانية

بوابة التربية: “لا لضرب الجامعة” لا لاستهداف الجامعة الوطنية”، “ان ضياع العام الدراسي هو مسؤولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *