أخبار عاجلة
الرئيسية / Uncategorized / عندما تذكرنا “كورونا” بحاجتنا للعلم

عندما تذكرنا “كورونا” بحاجتنا للعلم

بوابة التربية- خاص- كتبت د. *تمارا الزين: من المؤكد أنه لوباء كورونا المستجد تأثيرات متنوعة ومنها أنها أعادت التذكير بأن لا خلاص بلا علم، والعلم يعني حتما أبحاثاً ومعارف جديدة… في لبنان، كما في دول عدة، برزت أهمية العلم على مستويات عدة بدءً من التوعية والإستعانة بباحثين متخصصين، والإستجابة في المستشفيات والإرتكاز على الجسم الطبي المتمرس، وصولاً إلى المبادرات الإبتكارية الفردية أو المؤسساتية، من دون إغفال دور المؤسسات الحكومية المعنية والتي تقر الخطط اللوجستية، وفقاً للممارسات الفضلى المعتمدة عالمياً والمبنية أساسا على قواعد علمية. ومواكبة منه لهذه الأزمة التي تتطلب أقصى درجات التعاون والتكافل بين الخبرات المتوفرة، أطلق المجلس الوطني للبحوث العلمية إعلاناً عاجلاً لتقديم دعم مالي لمشاريع ومبادرات طبية وتقنية فعالة، من شأنها أن تعطي نتائج عملية لمجابهة التحديات الاستشفائية الراهنة، وتمكين القطاع الصحي في لبنان من الإستفادة المباشرة من نواتجه (كما ورد في نص الإعلان http://www.cnrs.edu.lb/english/call-of-interest/calls-for-proposals-by-cnrs/covid-19-management-lebanon).

فمع ظهور أول حالات الوباء في لبنان باشر المجلس بالتخطيط لإطلاق مبادرة بهذا الإتجاه، وبدأ العمل بالتوازي على تأمين موارد مالية في ظل شح مالي يطاله كما العديد من المؤسسات الرسمية، وعلى استشارة أختصاصيين مخضرمين في ادارة الأزمات الطبية والطب، وعلم الأوبئة وعلم الأحياء، بهدف إطلاق هذا البرنامج العاجل ضمن تصور وطني ووفق محاور متعددة، بعضها مشترك مع باقي دول العالم، وبعضها نابع من حاجة محلية بحتة، بما يتيح الحد من آثار الوباء في لبنان. هذا البرنامج العاجل، على تواضعه المادي المرتبط بالظروف المالية العامة في البلاد، يلحظ إمكانية زيادة المبلغ المخصص وفقاً لجدوى المشاريع والمبادرات المبتكرة التي يتم اختيارها، ويسعى للإستفادة من تضافر الجهود المتنوعة علميا ومؤسساتيا، ويندرج ضمن رؤية المجلس من ناحية دعم الأبحاث والإبتكار وتمكينهما في مجالات تعود على الوطن بالمنفعة العامة التي كانت وما زالت الهاجس الذي يؤطر استراتيجية المجلس وعمله. ولعل هذا البرنامج مناسبة للتذكير بالمجلس وطبيعة مهامه.

أُسس المجلس العام 1962 تحت وصاية رئيس مجلس الوزراء كذراع علمي للحكومة اللبنانية وأنيطت به مهام استشارية لتقديم النصح العلمية حين تلجأ إليه مؤسسات الدولة، ومهام تنفيذية كوضع الخطط العلمية واقتراح البرامج التي تسهم في تنفيذ السياسة العلمية الوطنية، بالإضافة إلى المساهمة في انتاج المعرفة وتحفيزها في البيئة الأكاديمية.  ومن ضمن هذه البرامج كل ما يتعلق بتعزيز قدرات الموارد البشرية كبرنامج متفوقي الثانوية العامة وبرنامج منح الدكتوراه، وبرنامج دعم البحوث في الجامعات اللبنانية ومراكز الأبحاث لتمكين الباحثين سواء عن طريق تمويل بحوثهم، أو من خلال الشراكات الدولية التي نسجها المجلس لتتيح لهم التشبيك مع أفضل مراكز البحوث العالمية. أما فيما يخص مراكزه الأربعة، فقد أُنشئت على أسس خدماتية وبحثية في مجالات محددة لا تشكل أي تنافس مع  الجامعات العريقة التي تغطي وبجدارة العديد من المحاور البحثية في لبنان.

أقدم المراكز هو المركز الوطني للجيوفيزياء  (1975)، يليه المركز الوطني لعلوم البحار (1977)، ثم المركز الوطني للإستشعار عن بعد (1995)، وأخيرا الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية (1996)، وكل منهم يعتبر المرجعية العلمية المعتمدة في مجاله. اما باقي المجالات العلمية، كالعلوم الطبية مثلا، فيغطيها المجلس عبر تمويل الأبحاث في الجامعات والمستشفيات الجامعية، وحتى العلوم الإنسانية فقد أدرجت منذ العام 2004 ضمن المحاور التي يدعمها المجلس عبر الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة. حاليا تضم مراكز المجلس 30 باحثا فقط ولا تتخطى أعداد الموظفين ككل بين إداريين وباحثين وفنيين سوى 99 موظف، علماً بأن غالبية الباحثين يمارسون مهام علمية متنوعة بالإضافة إلى عملهم البحثي وانضوائهم في مجامع علمية ومنظمات دولية تعنى بالأبحاث والتعليم العالي. بطبيعة الحال، لا يقتصر عمل المجلس على مراكزه وبرامجه المتنوعة والمتكاملة، بل يمتد ليشمل مبادرات خلّاقة، منها على سبيل المثال لا الحصر حملات مسح البحر اللبناني وقعره، محطات الرصد الزلزالي، محطات الرصد الإشعاعي، شرعة أخلاقيات البحث العلمي، المرصد اللبناني-الفرنسي للبيئة،  المرصد الوطني للمرأة في الأبحاث، المركب العلمي قانا، برامج إدارة الكوارث الطبيعية، إلخ. دون إغفال المؤتمرات والندوات التي نظمها ورعاها المجلس على امتداد السنوات والتي أثّرت بشكل فاعل في نشر وتعميم الثقافة العلمية، وكل التقارير والدراسات التي أعدها ضمن محاور البحث العلمي والإبتكار، بالإضافة إلى تعاونه مع وزارات متعددة وجهات أمنية لإعداد دراسات دقيقة تتعلق بالزراعة والغذاء والصحة والبيئة والمياه والشاطئ والصناعة والابتكار.

ودون الغوص في كل المبادرات التي يصعب تعدادها إلا أن ما يجدر ذكره هو اعتماد المجلس، خاصة منذ العام 2000 وبعد سنوات من التعسر إبان الحرب، على إعادة تفعيل عمله بهدف بناء منظومة أبحاث متكاملة على امتداد الوطن، وبغاية تأطير البحوث ضمن رؤية وطنية توازي بين التحديات المحلية والتوجهات العالمية، وذلك في ظل عقبات متنوعة، نذكر منها على سبيل المثال غياب الثقة بمعظم المؤسسات والإدارات العامة التي تتهم دوما بالترهل والفساد والإخفاق، قصور التمويل الرسمي (لا ينفق لبنان أكثر من 0.2 بالمئة من ناتجه القومي على الأبحاث والتعليم العالي) وعدم الإكتراث لضرورة تشكيل جماعة علمية مؤثرة، ازدياد التحديات العلمية على أنواعها، والتغير السريع في مشهدية التعليم العالي. استطاع المجلس تركيز جهوده وفقاً لرؤية طموحة ولكن عقلانية وعملانية لتخطي هذه العقبات أو على الأقل للتخفيف من تأثيرها السلبي، وما اعتماد المجلس كحاضنة ومرجعية موثوقة وتعدد الشراكات مع المؤسسات الجدية المحلية والعالمية إلا خير دليل على استعادة الثقة بدوره المركزي. في الشق المالي، عمد المجلس إلى حشد التمويل من عدة مصادر داخلية وخارجية ضمن صيغ تشاركية بما يؤمن التكامل مع التمويل الحكومي الضئيل. على سبيل المثال، عام 2019 مول المجلس ضمن برنامج منح الدكتوراه 160 طالب دكتوراه دون ان تتخطى مساهمة المجلس 45% من كلفة التمويل حيث أن الباقي تم تمويله من الشركاء المحليين والدوليين (يسري مبدأ التمويل التشاركي على باقي برامج المجلس). استطاع المجلس بفضل هذه الشراكات تمويل عدد أكبر من الطلاب ومشاريع البحوث وساهم إلى جانب الجامعات العريقة بتكوين منظومة بحثية فعالة ومتعاونة ومتكاملة. ولعل شراكة المجلس مع كبرى الجامعات الخاصة (بالإضافة إلى الجامعة اللبنانية) هي من شراكات القطاعين العام والخاص الأكثر نجاحا وتوازناً. بموزاة ذلك،  دأب المجلس على التعامل بمرونة مع ازدياد التحديات في كل المجالات الحياتية، ليغطي المحاور الأكثر إلحاحاً بدءأ من البيئة والزراعة وصولا إلى الصحة والإنسانيات والعلوم الأساسية، وذلك بواسطة شراكاته العلمية والمادية مع أكبر عدد ممكن من الجامعات والباحثين وعبر مراكزه الأربع. بطبيعة الحال، ما زال الكثير في جعبة المجلس من أفكار وخطط وبرامج على أمل تحقيقها في ظل رعاية حكومية ودعم ملحوظ يرقى لمستوى الطموحات التي تلبي تطلعات البيئة العلمية اللبنانية.

يقول إيليا بريغوجين، أحد أعلام الكيمياء والفيزياء، أن “عملنا يعتمد على تذكرنا للماضي وتحليلنا للحاضر واستشرافنا للمستقبل”. وفي المجال العلمي الذي نلوذ به لمعالجة التحديات على أنواعها، لا يمكن الركون فقط للمعارف المتوارثة بل علينا تطويرها وانتاج معرفة جديدة بواسطة البحث العلمي والباحثين. ولو أننا اعتدنا في لبنان على التأقلم وإيجاد الحلول البديلة إلا أن إستدامة البيئة البحثية المنتجة تستوجب من الدولة الإيمان بدور الأبحاث والإلتزام بدعمها وتمكين المؤسسات الراعية لها.

*مديرة أبحاث في المجلس الوطني للبحوث العلمية

عن mcg

شاهد أيضاً

الدولية للمعلومات: العاطلون عن العمل إلى نحو مليون من بينهم عشرة الاف معلم

بوابة التربية: أشارت ​الدولية للمعلومات​ إلى أن إستطلاعات عدد العاطلين عن العمل قبل 17 تشرين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *