الرئيسية / ابحاث ودراسات / كيف تجعلنا الثقافة التراكمية أذكى؟

كيف تجعلنا الثقافة التراكمية أذكى؟

تطرق أستاذ علم النفس والفلسفة ستيف ستيوارت ويليامز -في مقالة بمجلة “سايكولوجي توداي” الأميركية- إلى دور الذكاء في تحديد ماهيتنا، مشيرا إلى أن الثقافة التراكمية تمنحنا المعرفة والأدوات اللازمة لتنمية ذكائنا بشكل يتجاوز قدراتنا الذاتية.

ويرى ستيوارت ويليامز أن تركيبنا الجيني لا يمنحنا حق التفرد في عالمنا، نظرا لتشابهه الكبير مع التركيب الجيني للعديد من الثديات التي تعيش على اليابسة. وفي حال تعرض كوكبنا للغزو من قبل “كائنات فضائية”، فإن أول ما سيدور في أذهانهم حول بني البشر هو اختلافهم الجذري عن بقية الكائنات في معارفهم وتقنياتهم وأدواتهم.

وعلى الرغم من امتلاك الثديات الأخرى درجة معينة من الثقافة، فإنها لا تتمتع بالقدرة على التطور التي تميز بها الإنسان.

ولا شك في أن الذكاء يشكل جزءا مهما من تميزنا عن باقي الكائنات، ويمثل أحد أسرار تفردنا في هذا العالم، لكن إنجازاتنا الثقافية لا ترقى للمستوى المطلوب بعدُ في حال نظرنا إلى ذكائنا المتقد وما هو قادر على فعله.

ويرى العلماء والفلاسفة أن سبب تفوقنا على سائر الكائنات هو ما يعرف بالثقافة التراكمية، وليس الذكاء، أي قدرتنا على تخزين المعرفة ونقلها إلى الأجيال القادمة. وانطلاقا من هذه “القدرة الخارقة”، يمكن للأجيال التي تلينا أن تعمل على النظر في هذا الموروث العلمي وتحسنه وتعدله مع مرور الوقت.

لتوضيح هذه الفكرة، اقترح كاتب المقال مثال الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو، اللذين من المرجح أنهما أشد ذكاء من معظم الناس الذين يعيشون على سطح الأرض في الوقت الحالي، لكن تصور عامة الناس للكون حاليا يتجاوز حدود معرفة هذين الفيلسوفين اليونانيين منذ آلاف السنين.

وأشار الكاتب إلى أن السبب الذي يجعل البشر قادرين على القيام بهذه الإنجازات الثقافية التراكمية دون غيرهم من الثديات لا يزال لغزا محيرا، لكن البعض يرجع ذلك إلى امتلاكنا لغات متشعبة وقدرتنا على ممارسة نشاط ما وتدريسه، فضلا عن تميزنا بالتجارة والإفراط في التركيز على أمر ما وامتلاكنا خاصية الاهتمام المشترك.

في واقع الأمر، تنطوي الثقافة التراكمية على فوائد متعددة، فهي تغنينا عن محاولة اختراع العجلة في كل جيل والبناء على الاكتشافات والاختراعات السابقة. كما أننا لسنا بحاجة إلى انتظار سقوط تفاحة على رؤوسنا حتى نفهم قانون الجاذبية، بل كل ما نحتاجه هو الذهاب إلى المدرسة أو الاتصال بالإنترنت لتصبح جلستنا المعرفية بمثابة نقطة انطلاق للجولة القادمة من الابتكار.

 

الثقافة تجعلنا أكثر ذكاء

وأوضح الكاتب أن فائدة الثقافة التراكمية تتجاوز حدود الأجهزة التقنية التي يتسنى لنا استخدامها دون ابتكارها. فهي تجعلنا أكثر ذكاء بصفة حرفية، ناهيك عن أنها تشمل المعارف المكتسبة والأفكار والقواعد والعادات التي نعمل على تضمينها داخل المادة الرمادية للدماغ، لتتعزز قدراتنا المعرفية بشكل جذري.

إن أدوات العقل لدينا تتضمن العبارات اللغوية التي نستخدمها ونظرية الاحتمالات وإستراتيجيات إدارة الوقت والتخطيط المالي. وفي الواقع، إن تراكم المعارف في أدمغتنا شبيه بتراكم التطبيقات داخل هواتفنا الذكية، وكلما زادت قدرة الدماغ أو الهاتف على تخزين التطبيقات والأدوات، زادت قدرته على تأدية العديد من المهام.

إلى جانب ذلك، يمكن للثقافة التراكمية أن تجعلنا أذكى بطريقة أخرى، فهي تسمح لنا بتجاوز القيود التي نفرضها على أدمغتنا من خلال اضطلاعنا بتقديم الإضافة إلى موروث معرفي موجود سلفا. وفي حال أردنا عزل أنفسنا عن الجميع، فسيستغرقنا امتلاك فهمنا الحالي للكون مئات آلاف السنين، وهو ما يجعلنا متفوقين عن الأجيال السابقة، خاصة في حال تحصلنا على تعليم جيد.

إن ثقافتنا التراكمية هي نتاج المعرفة التي انبثقت عن آلاف السنوات من التفكير، حيث يمكن لأي واحد منا أن يفهم الكون إلى درجة لا مثيل لها، مما يجعلنا نمتلك معلومات مذهلة ذات حجم هائل في أدمغتنا ومعرفة وتكنولوجيا تطلب إنشاؤها آلاف السنين.

 

أسطورة المخترع البطل

ويرى الكاتب أننا ندع الحقائق السطحية تحجب رؤيتنا للحقيقة الكاملة. فنحن نعزو إنجازاتنا الثقافية وننسب فضلها إلى المخترعين العباقرة بشكل روتيني، ونقول إنهم ابتكروا تحفا تكنولوجية وكانت لهم اكتشافات علمية استفاد منها العالم أجمع.

وتعتبر أسطورة المخترع البطل خاطئة، نظرا لأن الابتكارات لا تنجم عن لحظات عبقرية صرفة، بل هي نتاج جمع جذاذات أبحاث وأفكار جيش من المفكرين والأفراد.

تولد معظم التكنولوجيات الجديدة من رحم عمليات إعادة دمج العناصر والتكنولوجيات الموجودة سلفا بطرق جديدة. وحيال هذا الشأن، أفاد الكاتب الإنجليزي توم رولت أن “السيارة ذات المحرك انبثقت عن العربات التي تجرها الأحصنة”. وعلى نحو مماثل، ذكر ريدلي في كتابه “ذي راشونال أوبتيميست” أن شبكة الإنترنت ولدت بسبب زواج الهاتف والحاسوب، وأن الكاميرات التي يمكن ابتلاعها لفحص المعدة كانت ناتجة عن محادثة بين أخصائي في الأمراض الهضمية ومصمم صواريخ موجهة.

وخلص الكاتب وأستاذ الفلسفة وعلم النفس إلى أن معظم إنجازاتنا الثقافية لا تأتي من لحظات عبقرية فائقة لبعض الأفراد كما يُشاع، بل هي نتاج ثقافة تراكمية وقع تحفيزها ودعمها من قبل أشخاص شبه عباقرة، حتى تصبح ثقافتنا أكثر ذكاء مما هي عليه.

 

المصدر : الصحافة الأميركية

عن mcg

شاهد أيضاً

حماده وجه كتابا إلى وزارة المالية لتأمين اعتمادات رواتب الأساتذة الثانويين الجدد

وجه وزير التربية والتعليم العالي مروان حماده كتابا إلى وزارة المالية طلب فيه تأمين اعتمادات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *