الإثنين , يوليو 15 2024

أيتها التربية، كم من جرائم ترتكب بإسمك؟

بوابة التربية- كتب د. *نبيل نقولا قسطنطين:     

كما تكرار الصلاة والتعبُّد لله والعمل بمشيئته واجب، كذلك الأمر، تكرار الحديث في التربية والعمل بمقتضياتها واجبٌ متمِّم للواجب الأول، وهكذا يبنى ملمح المواطن الإنسان.

إلى الذين فوجئوا وهالهم تصرف مديرين أو معلمين وأساتذة مع تلامذتهم الأطفال وطلاَّبهم!

إلى الذين فوجئوا وهالهم تصرف مسؤولين في الإدارة التربوية، أو الإدارات على أنواعها ومستوياتها كافةً!

 إلى الذين فوجئوا وهالهم تصرف معظم الأحزاب في مختلف تسمياتها وأهدافها وغاياتها!

 إلى الذين فوجئوا وهالهم تصرف معظم الدول، وبخاصةٍ تلك التي تدَّعي التقدّم والتطوُر والرقيّ، والدفاع عن حقوق الإنسان، والديمقراطية والحريَّة والعدالة والمساواة!

 إلى المواطنين الذين تعودوا البكاء على الأطلال، في الصالونات والمقاهي والمطاعم، وعلى شاشات التلفزة وفي استديوهات الإذاعات، وعلى صفحات الجرائد والمجلات المأجورة في غالبيتها!

 وإلى جميع الذين تعودوا إحصاء القتلى والجرحى ومسح الأضرار وتقدير حجمها، إلى الذين سكتوا عن التجاوزات والمخالفات عن قصد أو عن غباء، برضاهم أو من دونه، إلى الذين غاب عن بالهم مفهوم المصلحة العامة أوالمصلحة الوطنية العليا، إلى الذين يخططون ليل نهار للمحافظة على مصالحهم الذاتية والانتخابيَّة، على حساب مصلحة المواطن والوطن، إلى الذين إختفت من قواميسهم عبارة الواجبات، ولا يقرأون إلاَّ في كتاب الحقوق المفترضة والتعدّي على حقوق الغير، إلى الذين أمعنوا في التسلط على ممتلكات الناس والأملاك العامَّة من غير وازع ولا رادع، إلى الأهل وجميع أفراد العائلة، إلى المدرسة وجميع أفراد الهيئة التعليميَّة، إلى المؤسسات الرسمية والخاصة وجميع القيِّمين عليها، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم العالي، والوزراء الذين تعاقبوا على إدارتها، وكنَّا نعلِّق على البعض منهم الآمال الكبار،أقول لهم جميعًا،

لماذا فوجئتم وتعجبتم ودهشتم من الذي حصل ويحصل في هذه المدرسة أو تلك؟ أوفي هذه المؤسسة أو تلك؟ أو في هذه القرية أو تلك؟ أو في أية مدينة أو بلدة أو حيٍ من الأحياء وفي أيّ مكان آخر في لبنان؟

 هل هو فعلا يكون الحدث الوحيد الذي يثير اهتمامكم؟ هل تعرفون كم هي الأفعال الجرميَّة والوحشيَّة والشاذَّة الحاصلة في المجتمع العائلي أو المدرسي وبخاصة الجامعي منه، أوالمجتمع اللبناني عامة، وعلى أنواعها الجسدية والمعنوية كافة؟

لن أُذكّركم ولن أُعدّد، فكلكم أو معظمكم يَعلَم، وهنا تكمن المصيبة، أنكم تعرفون وتقابلون هذا الفلتان الموغل في أحشاء المجتمع اللبناني حتى الإدمان، والناخر فيه حتى العظم، تقابلونه، بالسكوت أو المشاركة أو التعمية، والمصيبة الأعظم، إذا كنتم لا تدركون ولا تعرفون!

والأسف كلُّ الأسف، أنَّها أصبحت ثقافتكم المعيوشة، الشائعة والمنتشرة بشكل مخيف، لتأتي المعالجات متأخرة، آنيَّة ومؤقتة، تُخدر ولا تشفي، تستغل طيبة الناس ووجعهم أو جهلهم، وتستغبي عقول المواطنين الغاطسين حتى الأذنين في همومهم اليوميَّة، أو المرتهنين لأسيادهم والمهددين في لقمة عيشهم، أو المبرمجين طائفيًا والمنقسمين مذهبيًا (وهي أصعب الحالات وأشدها خطرًا في مجتمعنا اللبناني).

 ولا تقف هذه المعالجات البتراء عند هذا الحد، بل تأخذ في طريقها ما تبقى من ضمير وأخلاق وقيم، وقوانين وقواعد وأصول.

ربَّ سائل، والقارئ العزيز واحدٌ منهم، عن الأسباب التي أوصلتنا الى هذا الدرك؟

أقول لك يا أخي المواطن، عندما قصد أهالي “أثينا” الفيلسوف سقراط، ليسألوه عن الأسباب التي أدَّت برأيه، الى سقوط مدينتهم بهذه السرعة على يد “سبارطة”، أجابهم على الفور: اذهبوا وغيّروا النظام التربوي. وكان يعني بذلك، تغيير الفلسفة العامَّة للدولة، ومنها الفلسفة التربوية، حيث تُترجَم هذه الفلسفة إلى نظام تربوي شامل، مبنيّ على أهداف ومناهج وكتب ووسائل، أهمها على الإطلاق المدير والإداري والمعلِّم، فهؤلاء يشكِّلون العمود الفقري لأي نظام تربوي، ولأي عملية تربويَّة، تعليميَّة تعلُّميَّة.

من هنا يبدأ التغيير، من المدير القائد الأب، والإداري المحب، المعلم المربي الصالح الكفوء بكل معايير الكفاءة، العلميَّة والتربويَّة، وبما تشمله هذه الكفاءة بدءًا بالشخصيَّة المتوازنة، والعلم والمعرفة، والأخلاق والقيم، والتجربة والخبرة.

مهمٌّ جدًا أن نعرف ونحدد معايير الكفاءة، ولكن الأهم أن نعرف أين وكيف نبني هذه الكفاءة؟  

وهل يوجد أفضل من دور المعلمين والمعلمات في المركز التربوي للبحوث والإنماء، ومن كلية التربية في الجامعة اللبنانية، من أجل إعداد المديرين وجميع أفراد الهيئة التعليمية أو تأهيلهم وتدريبهم؟

وهل أدرك القيّمون الذين تعاقبوا على الشأن التربوي في لبنان، مدى الجرم الذي أرتكب بحق المواطن والوطن، عندما اتخذوا قرارهم بتجميد عملية الإعداد في دور المعلمين والمعلمات، وكلية التربية، كما كانت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؟

وهل لمسوا بأيديهم التراجع الحاد في مستوى التربية والتعليم، في المدارس الرسمية  خاصةً، وفي جميع المدارس اللبنانية عامةً؟

هل يعرف المسؤولون عن القطاع التربوي في لبنان، أنّ تغطية حاجة المدارس، على أنواعها، بمديرين أو إداريين أو معلمين، يتحلُّون بغالبيتهم بكفاءة الحزبية أو الطائفية أو المذهبية أو الزبائنية؟ وبمعلمين متعاقدين يحمل معظمهم كفاءة الوساطة والمحسوبية؟

هل يعرف المسؤولون عن القطاع التربوي في لبنان، على أنَّها جميعها كانت من الأسباب الأساسية للتدهور على المستويين العلمي والتربوي؟

بالله عليكم، عودوا إلى ضمائركم، فكّروا ولو لمرة واحدة، كم ترتكبون من جرائم في حق الوطن اللبناني شعبًا ومؤسسات.

أين الفرادة التي تعملون لأجلها؟ أين الرسالة التي تتغنون بها؟ أين العيش المشترك أو العيش الواحد؟

قولوا لي، ماذا استفاد اللبنانيون من الحلول التي قدّمتها الدول الغيورة علينا منذ العام 1840 ومن بروتوكول العام 1864 ونظام القائممقاميتين وحتى اليوم!!!

قولوا لي، ماذا استفدنا من الميثاق غير المكتوب مع نيل الاستقلال في العام 1943، أو المكتوب في الطائف في العام 1990، غير تعميق الهوة بين اللبنانيين، حتى على مستوى المذهب الواحد والعائلة الواحدة !!!

أليس كلّ ما شهدناه وتحملناه من مآسٍ وويلات على مرّ هذه السنوات الطويلة، هو نتاج هذه الصيغة أو الصيغ التي فرضت علينا، أو افترضناها طوعًا أنّها هي الطريق الأفضل إلى الدولة، فكانت الطريق الأسرع إلى الدويلات لا بل إلى المزارع؟

عودوا إلى رشدكم مع قليل من الإيمان، بأنّ الحلّ هو في بناء دولة الإنسان، الإنسان الواحد، من دون تمييز ولا امتيازات، تمامًا كما وصفته المادة السابعة من الدستور اللبناني، بعيدًا من المحاصصة والمناصفة و 6 و6 مكرّر وما إلى ذلك،

 وهذا يستدعي برأي المتواضع، وبرأي معظم التربويين والمفكرين والمثقفين في لبنان، بناء فلسفة جديدة للدولة مرتكزاتها أبعد من الدولة العلمانية وأشمل من الدولة المدنية، بناء فلسفة دولة الإنسان، ما ينعكس بصورة طبيعية على الفلسفة التربوية والمناهج التعليمة والكتب المدرسية وإعداد المديرين والمعلمين، كي نتمكن في ما بعد من بناء ملمح لمواطن واحد سويّ، من دون تمييز ولا أمتيازات طائفية أو مذهبية أو من أي نوعٍ كانت، مواطن يتحدث بلغة المواطنية الواحدة على مستوى الوطن وأينما حلّ في هذا العالم.

*مستشار وخبير تربوي

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

طرابلسي يطمئن: نتائج الإمتحانات ستُصدر في وقتها المحدّد

  بوابة التربية: طمأن مقرّر لجنة التربية، النائب إدغار طرابلسي، ان ليس هناك خوف على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *