التصنيفات
جامعات ومدارس رأي

الإنهيار شامل، والحلول جزئية أو مجتزأة في الجامعة الوطنية اللبنانية

بوابة التربية- كتب الدكتور جعفر عبد الخالق:

يدور نقاش واسع حول انهيار البلد، وتدني سريع ومريب لمستوى الأجور الشامل، وبالتالي تبخر إمكانات صندوق التعاضد المالية الذي بلغت موازنته العام 2021 حوالي 35 مليار ل.ل. وإذا احتسبناها بسعر الصرف الرسمي (1500 ل.ل للدولار)، كانت تساوي الموازنة حوالي 23.3 مليون دولار، مما يهدد الأمن الصحي والوجودي إلى الحد الذي لا يستطيع أحد تأمين إجراء أي معالجة صحية لعائلته. وخلال العام 2021 وحتى الآن فقدت العملة الوطنية قيمتها الفعلية بحدود 22 مرة، بحسب سعر دولار اليوم في السوق 33000 ل.ل. وهذا يعني أن صندوق تعاضد أفراد الهيئة التعليمية (كما كل الهيئات الضامنة في لبنان) تدنت مستويات التغطية والتقديمات خلال العام الفائت بحدود 14 مرة، ولا يستطيع تغطية أكلاف التقديمات الصحية إلا بحدود ال22% مما كان سابقا، بعد أن تمت المحاولات المتواضعة لدعمه، مع العلم أن كل محاولات الدعم بدأت في الربع الأخير من العام 2021، عندما كان سعر الصرف يتراوح بين 14 و 20 الف ليرة لبنانية للدولار الواحد… وهذا يعني أن كل الوسائل التي قدم منها أجزاء لحد الآن، قد ذهبت مع رياح الانهيار المتتالي لسعر صرف الليرة، ونورد التفاصيل:

أولاً: زيادة عطاءات حصة كل الهيئات الضامنة في الدولة اللبنانية (ومنهم صندوق التعاضد) بمقدار 70%، وهذه لم تشكل سوى تغطية إضافية بمقدار 8% من أكلاف الصندوق أو الصناديق بتاريخه (أي قبل تفلت سعر الصرف).

ثانياً: تقديم الجامعة اللبنانية من أموال ال PCR 3.4 مليار ل.ل لدعم لصندوق التعاضد لأدوية أمراض مزمنة.

ثالثاً: شكلت الجامعة اللبنانية لجنة لدراسة الحالات المرضية الطارئة في صندوق التعاضد، وقدمت 12 مليار ل.ل، تدفع شهرياً للصندوق كمساعدة اجتماعية (مليار ل.ل كل شهر).

رابعاً: من أموال ال PCR كذلك، أقرت الجامعة تقديم مبلغ مقطوع 20 مليون ل.ل، ومبلغ شهري يساوي 200 دولار أميركي حسب سعر الصرف، شرط أن لا يقل عن أربعة ملايين ل.ل شهرياً، وذلك بشكل مساعدات اجتماعية لفترة عام كامل.

خامساً: وبما أن القرار لم يشمل المتقاعدين، قامت الهيئة الإدارية الجديدة لرابطة قدامى أساتذة الجامعة خلال الشهر الماضي بالتحرك السريع لمواكبة التطورات، واجتمعت مع رئيس مجلس إدارة الصندوق أولاً، ومع رئيس وأعضاء رابطة الأساتذة المتفرغين لللتعاون ثانياً، واستيضاح بعض الأمور التفصيلية حول واقع وآليات صرف المبالغ المرصودة من أموال ال PCR، والتعاون للضغط من أجل شمول المتقاعدين من كل تقديمات المساعدات الاجتماعية.

سادساً: ليس صحيحاً أبداً ما يساق، بأن رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسام بدران لم يستقبل الهيئة الإدارية. وعلى العكس فقد استقبل وفد الهيئة الإدارية سريعاً في الاجتماع الأول، وكانت جولة أفق مطولة لفترة ساعة، استعرضت الهيئة خلالها كل مطالبها المزمنة والطارئة، وناقش رئيس الجامعة مختلف المتطلبات، التي كان موقفه ايجابياً من بعضها، والتروي لأجل الاستشارة لإيجاد مخارج قانونية للدفع للعاملين وللمتقاعدين إذا أمكن.

سابعاً: وبعد أسبوع على الإجتماع مع رئيس الجامعة، إرتأينا بالهيئة الإدارية إستعجال اجتماع ثاني معه، لحصر البحث بكيفية استفادة المتقاعدين من ال PCR والمساعدات الاجتماعية. وكانت وسائلنا في تأمين الاجتماع ناجحة بإسرع ما يمكن. وتمكنا كلجنة مصغرة من مناقشة الموضوع بكل صراحة ووضوح وشفافية، ووعد بالنهاية الرئيس إيجاباً، بالتفتيش مع المراجع المعنية عن مخرج قانوني لدفع مساعدات اجتماعية لمتقاعدي الجامعة اللبنانية. وأبلغنا أنه يرفض منذ شهر تموز قبض حصة الجامعة من عائدات ال PCR من مديرية الطيران المدني بغير العملات الطازجة (Fresh Money).

الآن، وبانتظار ما ستتوصل إليه جهود شمول المتقاعدين في الجامعة اللبنانية بالمساعدات الاجتماعية، نورد ما تيسر لدينا شخصياً من معلومات حول العائدات السابقة (قبل تموز) من ال PCR، والإتفاقية الجديدة وتوقعات العائدات منذ تموز 2021 وحتى الآن ومستقبلا.

وعليه تبين لنا، أن فحص ال PCR كان مسعراً ب 50$ أميركي للحالة، منها 5 دولارات لشركات الطيران، و 45 دولار للجامعة اللبنانية. والجامعة اللبنانية كانت تدفع تكاليف المختبرات من المواد والطاقم الطبي والتمريضي والموظفين (كانت تشكل حوالي 50% من المداخيل). ولكن المشكلة الأساسية كانت بكيفية  تحويل الأموال للجامعة على السعر المصرفي للدولار (أي 3900 ل.ل للدولار). وبناءً لتقدير فحوصات الوافدين فإن تراكم حصة الجامعة حسب العقد الأساسي مع مديرية الطيران المدني للفترة بين منتصف عام 2020 حتى حزيران 2021، هي حوالي 50 مليون دولار، دفعت على أساس السعر المصرفي (3900 ل.ل للدولار)، وذهب نصف المبلغ تقريباً كلفة مواد وطاقم طبي وممرضين وموظفين في المختبرات، وتكون الجامعة قد تحصلت على نصف المبلغ بحساب خاص. ومن تموز 2021 حتى الآن ترفض الجامعة قبض حصتها بسعر صرف منصة المصارف. وإذا افترضنا أن المبلغ المتراكم هو نفسه لنصف عام، فنحن أمام 25 مليون دولار بسعر صرف السوق ليصل المبلغ إلى 750 مليار ل.ل. ولنفترض أن ثلث المبلغ سيذهب أو بالأحرى ذهب لتغطية الكلفة سابقاً من تكاليف تسيير المختبرات)، فنحن أمام فائض يقدر بحوالي 500 مليار ل.ل (باعتبار سعر الدولار 30000 ل.ل).

المشكلات الأهم هنا بالتساؤل: لماذا لم تدفع سابقاً حصة الجامعة بسعر الدولار في السوق، طالما الشركات تحصل على أموال فريش؟ ومن اقتسم الفروقات؟ أما الآن تكمن المشكلة بكيفية الإحتساب في العقد الجديد بين الجامعة ووزارة الصحة ومديرية الطيران المدني. حيث قررت وزارة الصحة تسعير فحص ال PCR ب 30 دولار للحالة، يذهب منها 15 دولار لتغطية حصة شركات الطيران وكامل تكلفة تسيير المختبرات، وتحصل الجامعة على النصف، أي 15$ صافية عن كل حالة. وإذا افترضنا (كما هو واضح) أن الحالات والعائدات ستبقى كما الأعوام السابقة، مع العلم أن حالات السفر ذهاباً وإياباً قد إزدادت بشكل ملموس فعلاً. وبناءً على هذا التوقع، سيكون دخل الجامعة السنوي حوالي 25.2 مليون دولار طازج (وسنحتسبه هنا بسعر صرف 30000 ل.ل للدولار)، ليصل 756 مليار ل.ل.

نرفق ربطاً جدول توقعات كلفة مقبولة لدعم إدارة الجامعة اللبنانية من أموال ال PCR لتعويض الأساتذة العاملين والمتقاعدين وصندوق التعاضد، والمتعاقدين والموظفين، بالإضافة إلى دعم تسيير الأمور الإدارية واللوجستية خلال العام الحالي، كجزء من الإعانة فقط، لإستمراريتهم في البقاء والعطاء بحدود الحد الأدنى لتسيير أمور العام الدراسي 2021-2022. وعليه نورد مقترح  الأولويات المتدرجة للحفاظ على الحد الأدنى من كرامة الجامعة وأساتذتها والمتقاعدين وموظفيها وطلابها:

ونقترح في الجدول اعلاه أن يحصل أساتذة التفرغ والملاك والمتقاعدين على مساعدة مقطوعة 20 مليون ل.ل سنوياً، و200 دولار شهرياً حسب سعر الصرف، وألا تقل عن 4 ملايين ل.ل. ويحصل المتعاقدون بنصاب كامل على 135 دولار شهرياً، والمتعاقدين بحد أدنى 100 ساعة على حدود 65 دولار شهرياً.

صندوق التعاضد يتوجب دعمه بالحد الأدنى بأكثر من 600 ألف دولار للأدوية و 1.2 مليون دولار سنوياً لدعم المرض والإستشفاء. دعم الموظفين يتطلب بالحد الأدنى 10 ملايين ل.ل مقطوعة سنوياً وحوالي 65 دولار شهرياً.

أما المصاريف الجارية لتسيير أمور الجامعة الإدارية واللوجستية فتحتاج بالحد الأدنى إلى أكثر من 6 ملايين دولار سنوياً. وهذا حق أدنى وطبيعي لتأمين متوجبات استمرار تحصيل طلاب الجامعة البالغين أكثر من 75 ألف طالب.

وبالتالي، يتبقى للجامعة احتياطي من أموال ال PCR حوالي 4 ملايين دولار، وعلى الأرجح يحتاج أكثريتهم صندوق التعاضد.

المشكلة الأساسية تتلخص بالتالي: كيف يستطيع كافة أطراف الجامعة الإستفادة من عائدات أموال ال PCR (الإدارة والأساتذة وصندوق التعاضد والطلاب)؟ والجواب حسب مقترحنا هنا:

  • وقوف كل أطراف الجامعة صفاً واحداً للمطالبة، بلا مواربة ولا مهادنة، بحصول الجامعة على حقوقها كاملة بنصف عائدات ال PCR صافية وبالعملة الطازجة، وبكل شفافية رقابية ومحاسبية مع وزارة الصحة ومديرية الطيران المدني وغيرها.
  • يتوجب على أهل الجامعة اصحاب المصلحة (روابط المتفرغين والمتقاعدين والموظفين وصندوق التعاضد والطلاب) التنسيق والوقوف متحدين ومتضامنين، للدفاع عن حقوق الجامعة من ناحية، والحصول على حقوقهم من العائدات بالحد الأدنى، كما هو مطروح.
  • استخدام كافة أساليب التعبير والضغط الديمقراطي للحصول على الحقوق المشروعة، والتنسيق مع الروابط والنقابات الأخرى في القطاعين العام والخاص، في هذه الظروف الكارثية التي يمر بها لبنان، والتي ألغت الطبقة الوسطى بشكل شبه كلي، وأضحى الحد الأدنى للأجور أقل من 20 دولار شهرياً الآن، وأضحينا في أدنى سلم دول العالم أجمع في نسبة الفقر والافقار (65% من الشعب اللبناني لحد الآن عند خط الفقر وأدنى). وأضحى معهم الاستاذ الجامعي عاملاً ومتقاعداً يحصل على أقل من 180 دولار شهرياً، والإنحدار الكارثي مستمر.

وبناءً على ما تقدم، يتوجب علينا كأساتذة متقاعدين، ضحينا بأكثر من ثلث قرن من النضال، لتحقيق مكتسبات جمة للجامعة الوطنية وأهلها (سلاسل رواتب وصندوق تعاضد ومجالس وأنظمة وقوانين وغيرها)، ولكل القطاع العام، لإيصالنا بنهاية المطاف إلى الدرك، الذي عدنا به إلى أقل من مستويات بداية التسعينات، والإنحدار مستمر سريعاً. فمن واجبنا بالحد الأدنى أن نكون في طليعة المبادرين والمتابعين لكل الإتصالات بين كل أطراف المصالح المشتركة، لنتحرك وندافع بعناد عن حقوقنا، وحقوق كل فئات الدخل المحدود. واستنفاذ كافة وسائل الضغط للحصول على الحقوق المتاحة آنياً، فقط في سبيل البقاء والاستمرار، وبقاء الجامعة اللبنانية وطلابها.

مسكين شعبنا اللبناني، الذي إنحدر منذ عامين، من المستوى المتوسط الأعلى بين شعوب ودول العالم، إلى مستوى افقر دول العالم، وقابع الآن في ادنى درجات الفقر العالمي. وللأسف لحد الآن، لا نرى أنفسنا، ولا النخب ولا الشعب ينتفض لحريته وكرامته وحقوقه في العيش الرغيد، ومواجهة السلطات الطاغية كافة بكل جسارة وصمود وعناد.

فماذا ننتظر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *