الإثنين , يوليو 15 2024

تكريم النقابية بهية بعلبكي

Bahia balbaki
بهية بعلبكي متحدثة خلال تكريمها

 

أقام قسم اللغة العربية احتفالا في وزارة التربية والتعليم العالي كرّم فيه الأستاذة بهية بعلبكي المرشدة والنقابية بمناسبة تقاعدها . وكانت.

بعد ترحيب من عريفة الحفل المعلمة كفاح بيطار، عرضت المعلمة إيمان حنينة “باوربوينت” مع نبذة عن حياة الأستاذة المكرمة  جاء فيها:

” تلقّت علومها في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، مقاصدية الانتماء والهوى. اقترنت بالمهندس الدكتورمحمّد شومان، وأنجبت هلال- ليلى- حنين. حازت إجازة تعليمية في اللغة العربية وأدابها وماجستير في تعليم اللغة العربية من كلية التربية- الجامعة اللبنانية.وسنة أولى للدكتوراه في التربية وطرائق التدريس. وكانت قد فازت بمنحة دكتوراة إلى جامعة كمبريدج، لكنها اعتذرت حينها عن قبولها لأسباب عائلية.

37 سنة في التعليم والتنسيق بين الثانوي الرسمي والخاص.من معهد المعلمين في المقاصد إلى ليسيه عبد القادر(مؤسسة الحريري)- وثانوية د. أمان كبارة شعراني الرسمية للبنات (رمل الزيدانية الرسمية للبنات سابقا) كما عملت في مجال الترجمة. ومما ترجمت لهم أمين الريحاني و”جورجي أمادو”.

في أثناء الحرب الأهلية شاركت مع عدد من الزملاء في تأسيس اللجان  الشعبية، وساهمت في فتح المدارس والثانويات لتدريس طلاب الشهادات مدّة عامين وتطوّعت في الإدارة والتدريس. عملت منذ 2004 مدرّبة في إطار مشروع التدريب المستمر للمعلمينّ والمعلمات التابع للمركز التربوي للبحوث والإنماء في مركز موارد بيروت- بئر حسن. وفي جعبتها أكثر من 100 دورة تدريبية. التحقت بمديرية الإرشاد والتوجيه في العام 2012.

شاركت في الحركة الطلابية وفي التظاهرات المطالبة بفتح كليّات تطبيقية في الجامعة اللبنانية. أوّل الغيث ضربة بكعب البارودة وثماني غرزات في الرأس. لكن تحقّق المراد، وافتتحت الكليات التطبيقية؛ وفي العام 2006تخرجت ابنتها حنين من كلية الهندسة. لاحقًا…نالت نصيبًا من الأذى أمام وزارة التربية في أثناء مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية

انتخبت مندوبة لرابطة أساتذة التعليم الثانوي منذ العام 1979. و تبوأت رئاسة مكتب فرع بيروت مرتين؛
وظلت مسؤولة الشؤون التربوية في رابطة أساتذة التعليم الثانوي على مدى اثني عشر عاما.
أشرفت على تحضير خمسة مؤتمرات حول المناهج التعليمية والتقييم التربوي وتعزيز الملاك الرسمي والامتحانات الرسمية، وساهمت في نشر خمسة كتب عنها للرابطة. وقدمت دراسات في ندوات في منظمة الأونيسكو باريس وفي مؤتمر مونتريال للدولية للتربية حول المساواة في التعليم… ولأن الهمّ التربوي لم يغب يوما عن أولويات الرابطة فقدعقدت مؤتمرات هدفها رصد نتائج التعليم الثانوي الرسمي ومقارنتها بالخاص …إلخ

شاركت في مؤتمرات عدّة (تايلاند- كندا- باريس- بيروت- دبي). وحين قام الوفد الإسرائيلي في المؤتمر الدولي الأول للمعلمات في تايلاند باستفزاز الوفد اللبناني،عملت على تشكيل قوّة ضغط من الدول العربية والإسلامية والغربية (إيرلندا وأميركا الجنوبية) على الجهة المنظّمة ، فارضة شروط الوفد اللبناني. وكانت دائما في طليعة وفد الرابطة الى الحدود الجنوبية بعد التحرير مباشرة وبعد انتهاء عدوان تموز.
بهية بعلبكي من مؤسسي الشبكة النسائية التربوية في الدولية للتربية. عضو فاعل مؤسس في “اللقاء الوطني للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة في القوانين اللبنانية”: وقد عملت على إنجاز القانون المتعلق بالمساواة بين الموظف والموظفة في تقديمات تعاونية موظفي الدولة وحق توريث التعويض والراتب – وحقّ الموظفة في التعويض العائلي- المساواة في التنزيل الضريبي….الخ. وعضو مؤسس لـ” التيار النقابي المستقل” ولـ”اللقاء النقابي التشاوري ” كما شاركت في التنسيق لـ” الحراك الشعبي”.

سجلٌّ زاخر بالعطاء… بهية بعلبكي…نلقاك في ميادين التربية والنضال النقابي…لا وداع.”

Bahia balbaki 2
بهية البعلبكي مع أسرة الإرشاد والتوجيه

 

وتميّز الحفل بإلقاء قصائد مبدعة على شكل شهادات من عدد من المرشدين والمرشدات. فألقى الأستاذ حسين عبد الحليم المرشد في البقاع الغربي القصيدة الآتية:

” أيُّ عدلٍ في الرّعية؟

أيُّ ظلمٍ بالسّوية؟

أيّ أنباءٍ لأية؟

أيّ أنباءٍ وأيةُ ستةٍ لعقودِ لؤلئِها المليّة؟

من سنا زيتونةٍ منها الضّياءُ أصالةً.

وكنخلةٍ منها العطاءُ تأثُّلًا،

وكأرزةٍ في السّاح صامدةً، من خلف تلك اللّوحة الكرتونِ تحتضن القضيّة

اليَسار تعلّم الأبداعَ منها، ثورةً وتمرّدًا وتجدّدًا، نحو آفاق سنية.

واليمين أصولُه منها المبادئ والنّواميس السّوية. ..

يا حالةً موسوعةً موسومةً وسمَ الثّقافةِ والمبادئِ والنّضالاتِ الأبيّة.

قيمةٌ تمشي على الأرض الّتي شهدتْ لها:

في الشّجون التّربويّة،

والفنون المخمليّة،

والقضايا الجوهريّة.

كلُّ لؤلؤةٍ وضيّة،

قد نظمت العقد منها،

إذ يحوق الجيد حرًّا ،

ليس يعرف جيدُها غيرَ عقد، منه دانات النّضال الحرّ، كرّس نفسه فوق التّحيّة.

كل تلميذ هلال،

أمّه نعم البهيّة.”

وأنشد الدكتور شادي حليحل المرشد في البقاع- بعلبك قصيدته التالية:

“مشى الزمن اليباب على الروابي…فلا قطرٌ يحنُّ الى انسكابِ

ولا عطر يهبّ ولا ربيعٌ …… ولا نسَمٌ   ولا عبقٌ ببابي

ولم تسلمْ قوافٍ من جفافٍ…    على لينٍ بها  عند الغلابِ

وكاد الشعر يهجرني فأشقى… ويشكو الشعرُ همَّ الإغترابِ

ويسألني الوفاءُ بها كلامًا……فيسبقني اليراعُ إلى الجوابِ

بفيضٍ يسلسلُ العرفان منهُ…….دفيقٍ من مناهلِها العذابِ

فللأقلام أوصالٌ ونبضٌ……تحنُّ، تئنُّ من شجوِ المُصابِ

وبهيةُ مثلما الواحاتُ تُؤتى…متى اشتدّ الهجيرُ على اليبابِ

فمن أنوارِها الأضواء تُكسى……ومن آلائها دُرُّ السحابِ

نُطلُّ على السنين وقد عبرْنَ…كما عبرتْ نسائمُ فوقَ غابِ

بعقلٍ منها نفّاذٍ رجيحٍ………. يُفاجئُ مثل منقضِّ الشهابِ

ترافقها صفوفٌ في ذهابٍ..وتصحبها صفوفٌ في الإيابِ

ويُمسي الإرشادُ مدرسةً وتُلغى…المسافةُ بين بُعدٍ واقترابِ

ويعلو مجدُها ، والمجدُ يعلو…ويبقى الشأنُ موفورَ الطِّلابِ

تجلُّ عن المتاعبِ وهي تمشي…كفُلكٍ جدَّ في اللجَجِ الغِضابِ

تواجهُها الروابطُ بلا توانٍ…ووجهُها صاعدٌ، والموجُ رابِ

بسعيٍ لا ينال الصّعْبُ منه……..وعزمٍ دونَهُ عزمُ الشبابِ

إلى أن تبلغَ العلياءَ وثبًا……….وتبلُغها على متنِ الحُبابِ

حياةٌ كلُّها بذلٌ وجهدٌ………….بمحتدمِ انتسابٍ واكتسابِ

سواها غيابهُ داجٍ، وتبقى…على الشفقِ المطلِّ مدى الغيابِ”

ثم قدمت كفاح بيطار رنيم فاروق الصديق المرشدة من عكار فألقت قصيدتها في المُكرَّمة. قالت:

” مسحتُ قِدْرَ علاءِ الدّينِ والأرَقُ …عن مقلتيَّ  ليالٍ  ليسَ  يفترقُ

فقالَ لي ماردُ المصباحِ مبتهجًا:..”لبّيكِ سيّدتي ماالخطبُ والدّرقُ؟”

أَجابَ عنّي  سرابٌ عشتُ فيهِ وما/حظيتُ منهُ سوى وجْدٍ هو الحُرَقُ

عنْ وصْفِها تعجَزُ الأقلامُ قاطبةً..فالزَّهْرُ فَوحٌ ، وفي الأجواءِ يندفقُ

كالطّوقِ قارورةُ البلّورِ تخنقُهُ…….بين الضّلوعِ حكاياهُ هي الرَّمَقُ

بهيّةٌ عَسَدَتْ رمْشَ المها عِبَرًا…….ففكْرُها ثورةٌ ، فيها سما الحبَقُ

يهْفو إلى صُبُحٍ غَضٍّ ، ملامحُهُ……..للحقِّ كحلٌ ، وللحرّيّةِ الأفُقُ

نِضالُها من أنينِ النَّاي مولدُهُ…..فالأُرجوانُ لظًى يُكوَى بهِ الشّفقُ

ظبْيًا شريدًا ترى الأبصارَ باديةً….فوهْجُ إرشادِها دومًا هو الألَقُ

شمسُ النُّهى شمسُها ، للنُّور عاشقةٌ/كالسّندبادِ غدَتْ ، مِجذافُها الورقُ

أدامكِ اللّهُ ذُخرًا للورى ، مددًا…..لِكلِّ مَنْ حُبَّ نَهجِ العلمِ يعتنقُ

بِفُلِّ نيسانَ جدَّلْتِ العُلا أثرًا..بالمسكِ يُروى ، وبالأطيابِ يُرتشقُ”

وجاء في كلمة الأستاذة راوية إبراهيم في حفل تكريم قسم اللغة العربية في الإرشاد والتوجيه للأستاذة النقابية المناضلة بهية بعلبكي:

“أقف اليوم معكم، على وقع استحقاق جميل، على وقع عطاء جليل لأقول كلمات من القلب إلى القلب

فأنا لا أحسن نظم الشعر ولا أتقن فن الخطب ،لكني أردت المشاركة في تكريم زميلتنا الغالية بهية بعلبكي…رحت أمارس طقوس الكتابة، وعبثا حاولت…

كل الكلام هزيل لا يرقى إلى غرض التكريم. بهية، بذكرها تتكرم الكلمات، وتتألق العبارات والنضالات.وفي وصفها تحار تراكيب الجمل وتصاميمها ويستعر فتون الأبجدية.

بهيةٌ هي،  في بهاء البلاغة والفصاحة والبيان. بهيةٌ هي،  في فنّ التّصدّي للقضايا العالقة، والمطالب الملحة  إنها معادلةٌ نضاليةٌ صعبة، تتقنُ صنع الضوء من بقايا ألوان النغم.

في وجودها تقف مأخوذًا أمام هذا المخزون الهائل من العبق التربوي، والفكر اللازوردي، والتاريخ النضالي .فإن أعيتنا الحيلةُ في معضلة أو مسألة، أو التزمنا جانب الصّمت، نراها تحملُ لواء التحدّي بحثًا وتعمقًا، فتغوص إلى قاع المحيط لتكشف عن خباياه على الملأ.  آراؤها منفتحة، مفتوحة على الأبعاد التربوية ، والإنسانية والتعليمية. …الحرفُ طوع بنانها، والفكر سيمفونية تثرى على أنغامها.

تجلس معها، فتسوق إليك من عصارة علمها ما يثلج قلبك، ويُنمي معرفتك، ويشفي فضولك. هي زهرةّ تستاف منها عطرا كلما استلمت دفة الكلام…ففي حديثها حلاوةٌ تسوق اليك حفنة من نجوم، وقطعانا من نرجس ، وأسرابَ زنابق.
ومما قالته الدكتورة درية فرحات مرشدة بيروت وجبل لبنان في شهادتها بالمكرّمة: “كنت أسمع باسمها دائما…وكان اللقاء بها في يوم نضاليّ مهم…في عدوان تموز 2006 حين دعت رابطة التعليم الثانوي الى اعتصام رفضا للاعتداء الصهيوني؛ فدفعني انتمائي للارض – وانا المهجرة من جنوبي الى بيروت- للمشاركة في الاعتصام. رأيتها هناك تدور في المكان نشيطة كنحلة لا تهدأ: تجهز اليافطات، تكتب العبارات بخطها المميز ..ظلت صامدة في ساحة الاعتصام… ثم زاملتها في الإرشاد ولمست فيها العطاء بلا حدود. وعرفتها في خطوتها الى التقاعد عن الوظيفة فقط…فمن يكون مثلها لن يهدأ ويسكن…
هنيئا لك بهية بعلبكي ولك العمر المديد”

أما الأستاذ المرشد يونس زلزلي فقد ألقى كلمة وجدانية جاء فيها:

“ما أجمل أن يغادر الإنسان وظيفته من دون أن تغدرَ به، أو يغدرَ بها! ما أجمل أنْ يغادرَها بعد عقودٍ من العَناء والعطاء من دون أن يتدنّس. وفي بلادي ثلَّةٌ من الموظّفين المَكفيين الّذين نراهم بعيون قلوبنا سلاطينَ مَخفيين يتدثّرون بالكفاف، ويتزيَّنون بالعفاف. اتّخذوا الوظيفةَ موردَ نضال، فظلَّت أياديهم فيها بيضاء، وظلَّت نظيفة.

وبهيّة بعلبكي واحدةٌ من هؤلاء الأمناء المُؤْتمنين، وهي الّتي خاضت غمار النّضال التّربويّ والاجتماعيّ على إيقاع الحبّ، فكانت أيامها وأعوامها مواعيد بذْل جادت بحبّات القلب وأمواه العين، فأجادت بجعل دوامها ديمومةَ شَغَف، وعزفًا على إيقاعات التّفاني. لقد سكبت بهيّة بعلبكي بهاء جوهرها الإنسانيّ النّبيل في أفئدة الطلّاب والمعلّمين وعقولهم، ونذرت نفسها راهبةً في صورة مدرّبة ومرشدة، وناسكة في صورة مناضلةٍ ومعلّمة. فدأبها نزاهةٌ لا تيأس، ودربها استقامةٌ كحدِّ الرُّمح، وزمالتها شرفٌ رفيع نغتبط لمّا ندّعيه لأنّه يشدّنا إلى جهة النّقاء بعيدًا عن أغراض الوجاهة، وأمراض المصلحة، وقريبًا من الغيريّة والإيثار. لم تحترقْ بهيّة بعلبكي بمِرْجلِ الوظيفة، ولم تغرقْ في لُجَجِ أهوالها. لم تَرْتَقِ فيها سُلَّمَ التّملّق، ولم تستجدِ سلطانًا، ولم تستعدِ زميلًا. فكانت بيننا مكابَدَةَ الإنسانِ في صراع الكرامة، ومُجَاهدةَ المواطِنِ في جُلجلةِ الحقّ، ومعانَدَةَ الحُلْمِ في متاهات الواقع. هي صُلْبَةٌ لم تفُتَّ عَضُدَها سِنانُ الحارمين، ولم يهْرَمْ معدنُها الأصيل في وغى النّضال برغم نصال الخيبة الّتي تكسّرت عليها النّقاباتُ والرّوابط حين التَفَّتْ على سلسلتِهم سلاسلُ سَدَنَةِ الهيكل أصفادًا من التيئيس الّتي ثبّطتِ العزائم، وهبَّطَتْ حيطانَ الوطنِ على رؤوس الفقراء..

لعلّ تكريمَكِ سيّدتي يُنَالُ حين تعودُ العدالة، فيستوفي أهل الدّولة الميامين حقوقَهم، ويُطْرَدُ الحيتانُ من بحرِنا وبَرِّنا، فتستعيدُ أرضُنا سِعتَها كيلا نظلَّ فيها موْؤُدي الصّوت، ومكتومي النَّفَس، ومكتوفي الأيدي. بهيّة بعلبكي كلمة حقٍّ في وجه زمانٍ وسلطانٍ جائِرَيْن. بهيّة بعلبكي أنانا الأعلى بعيدًا عنِ الأنانيّات الدُّنيا. في تقاعدِها استراحةُ محاربٍ لنْ يتعبْ، وفي تقاعدِها يتصاعدُ الأمل بغدٍ أفضل طالما أنَّها قد ادَّخرتْ لنا قِرْشَ نضالٍ أبيض نستعينُ به على تفاصيلِنا الكالحات، ووقائعنا الحالكات.

يبقى صوتُكِ سيفَنا المُشْهَرَ بصليلِ الغضبِ غيرِ السَّاكتِ عن الحقّ، وتبقى سيرتُكِ سورةً من آياتِ المروءة تُشْعِلُ في حاضرِنا من جوهرِ العمرِ شمعةً فيها يقينُ الإيمان الحتميّ بِصَوْلَةِ الحقّ ودوْلةِ العدل. بهيّة بعلبكي ستظلّين بيننا ذِكْرًا للحبّ، وذكرى للفرح وذاكرةً للعطاء. وأقلّ الوفاءِ كلمةُ صدقٍ في حضرتِك البهيّة: يا فَقْرَنا منْ بَعْدِكْ. هنيئًا قيامتُكِ من على صليبِ الوظيفة إلى راحةٍ نرجو أنْ تناليها مع العمرِ الطّويل…والسلام”.

كما ألقى الأستاذ ناصر النمر كلمة بهذه المناسبة، ثم الدكتور ميشال حنا منسق اللغة العربية في الإرشاد .ومما قاله:

“بهيةُ لقد غار البهاء من بهائك. انك تبهَين ببهاء باهى الحسن اشراقا…لك من إبهاء الابداع ما يليق به التباهي…لك من الذكاء ما باهى المفكرين والأدباء…ولك من المديرة أبهى تقدير تتباهين به…

ثم ألقت الأستاذة هيلدا الخوري مديرة الإرشاد والتوجيه بالتكليف ومديرة دائرة الامتحانات في وزارة التربية والتعليم العالي كلمة جاء فيها:

“زملائي..اللغة العربية هي قلب الإرشاد..ولا أخفي عنكم سرا إذا قلت أنني عندما أتعب ألجأ إما الى سماع الموسيقى أو قراءة قصيدة لأعود الى نفسي.. والمكرَّمة اليوم في كتابتها كل ذلك: عندما نقرأ لها نحسّ بأصالة اللغة العربية التي نفتقدها، وعندما نسمع كلماتها نحس بالموسيقى، وعندما نتعمق فيها نجد الثورة. والثورة ليست خطأ. هي حق لكل لبناني يطمح الى تشكيل الوطن كما يريد. وإذا توقفنا عن هذه الثورة تموت فينا أشياء كثيرة: ..تموت التربية وتموت الإنسانية. ان التربية الجيدة هي التي تكوّن مواطنين لا ينصاعون الا لمن يقودهم بحق..اما السيئة فتربي مواطنين منقادين.

زميلتنا الكريمة اليوم يجمعنا كل ما يجعلنا نحس بأننا تربويون قادرون على إحداث تغيير في هذا البلد. ولي أمل بأن الإرشاد قادر على تقوية المدرسة الرسمية، مع أن المرشد يدفع من ماله الخاص ليذهب الى مناطق بعيدة. ومع احترامي للمدارس الخاصة لأننا مع حرية التعليم، فإن المدرسة الرسمية وحدها تبني المواطن عبر تربية جيدة تخطط لها الدولة.  ولا جودة تعليم دون إرشاد وتوجيه فعال وتدريب مستمرجيد ودون إعداد مدروس شامل في كلية التربية. وعندها نفتخر بالمدرسة الرسمية. لكن الكارثة ان مهنة التعليم لم تعد الحلم. بل الشباب يتوجه الى التعليم كخيار أخير. وفي ذلك قضاء على التعليم وعلى التربية. ويخطئ أي عهد لا يعطي الأستاذ حقه، لأن ذلك يعني أن لا أمل.

وعندما نذكر اسم بهية بعلبكي نذكر الأمل والثورة، لأنها إنسانة كافحت وعلمتنا ألا نسكت حين تضيع حقوقنا سواء أكنا مستقلين أم حزبيين؛ فهدف الجميع هو مصلحة لبنان. ويجب ألا تموت الروح النقابية. والسيدة بهية بعلبكي كانت للكل مثلا أعلى، وبخاصة في تعليم اللغة العربية التي عشقتها. وما أحوج تلاميذنا الى معلمين يجعلونهم يعشقون لغتنا الجميلة التي تعيدنا الى اصالتنا وتراثنا!

ستبقين يا بهية بعلبكي دائما في عقلنا وقلبنا تحثيننا على الحفاظ على العربية والمطالبة بالتربية الجيدة ، وعلى تفعيل العمل النقابي بحيث لا نسكت عن حقوقنا وإسماع صوتنا للحكومة وللمجلس النيابي…لقد قالوا عنك الكثير ..ونضيف: أمثالك لا يُنتسون..سنتذكرك بنضالك وبعقلك .سنتذكرك كمرشدة أعطت عملها عقلها وقلبها، وتربعت في عقولنا وقلوبنا. ”

وردت بهية بعلبكي بكلمة مؤثرة.قالت:

“مديرتنا المحترمة، زميلاتي وزملائي الذين أكرموني كل إكرام: كلماتكم هي تاج على رأسي أعتزّ بها دائما؛ وقد لمس فؤادي هذا الفيض من المحبة وهذه العاطفة الجياشة التي تكِنّونها لي..فشكرًا لأنها ستظل نبراسي في حياتي القادمة – التي لمَّا تنتهِ- يحثّني على المزيد من العطاء.

عشقت اللغة العربية منذ صغري، لكني وقعت في الحب منذ أول ساعة تعليم. أحببت التعليم مهنةً ورسالةً، وما زلت. وعندما انتقلت من “ثانوية رمل الزيدانية الرسمية للبنات” حيث قضيت فيها أكثر من ثلاث وثلاثين سنة الى الإرشاد كدتُ أن أحلفَ بغربتي. لكنَّ للإرشاد قلبًا عامرًا بالمحبة، عبقًا بروح الزمالة، زاخرًا بأريج الصداقة، حاملا راية الثقافة، حارسًا أمينًا على لغة آبائنا وأجدادنا. وما اللغة إلا قوام شخصيتنا القومية، ووعاء لما نبدعه من فكرنا. قلب الإرشاد هذا آزرني، وشدَّ من عضُدي؛ فإذا بي بين أهلي وعائلتي. جمعنا حبّ اللغة العربية، وحبّ التعليم، وهذا العمل الشاقّ الذي نقوم به، نتحمّل كلفة التنقل، وننتقل “كالفراشات” من منطقة إلى أخرى، من ثانوية إلى مدرسة بلا كللٍ ولاملل. نُرشد بالكلمة الحسنى، ونوجه بقوة الكلمات الناعمة، وهي قوة كامنة في كل مفردة عربية. كنا نعمّم الفائدة على آلاف المعلمين والأساتذة، نرشدهم كيف يكونون معلمين جيّدين، فالمعلم الجيد هو القادر على تحويل المادة المعرفية الى مادة قابلة للتعلم وتسهيله على المتعلمين باتباع استراتيجيات مدروسة. كنا نحاول  تمكينهم من التمييز ما بين الغثّ والسمين لأنه:

“ما كلُّ علم في الزمانِ بنافعٍ            دورُ المعلمِ أن يميِّزَ ما سَما”

قدّمنا المعارف الضرورية ليسعوا الى المزيد بقوتهم الداخلية عبر التعلم الذاتيّ؛ وبخاصة في غياب الحوافز المادية والافتقار الى معاش يؤمن لهم العيش الكريم. التعلم الذاتي سمة العصر. ومن ذا القائل:” إن التعليم المدرسي سيجلب لك وظيفة، أما التعلم الذاتي فسيجلب لك عقلا”؟ إنه “آينشتاين”. وما أحوجنا إلى رجاحة العقول في عالم ملوّث بالتعصب الأعمى، موبوء بالطائفية البغيضة، مجنون لدرجة أنه يحرم الأساتذة والمعلمين والموظفين من حقوقهم: يغدق العطايا على من لا يستحقها، ويمنع إقرارالحقوق لمن استأهلها!  دَأَبْنا على الرفع من معنوياتهم، واحترام كراماتهم وخبرتهم. فكل معلم جوهرة بحاجة إلى من يصقلها، ويلمعها ، ويبرزها للعيان..وكم درسنا من مسابقاتهم؛ وبالنقاش- لا بالمناظرة- أوصلناهم الى العمل الأمثل. وبذلك استفاد عشرات الآلاف من التلاميذ.

نعم! أنا أفتخر بكوني مرشدة ومدربة في مشروع التدريب المستمر، كما أفتخر بنقابيتي. لقد بذلت دائما كل ما لديّ لكلّ من مدَّ لي يدًا، ودافعت بلا هوادةَ عن قضايانا المحقة. وأنا ممتنةٌ لكم لأنكم جعلتموني أحس أنني قد أحدثتُ فرقًا، وأرسيتُ نهجًا. وتركت وطني أفضل – ولو قليلا- مما وجدته كما طلب جبران. حقًّا إن التعليم لَهو على حدِّ قول “مانديللا”:”أقوى سلاح يمكنك أن تستخدمه لتغيير العالم.”

نعم! عشقت اللغة العربية صغيرة، ووقعت في حبِّ التعليم كبيرة. وها أنا أتقاعد من وظيفتي الرسمية دون أن يفرغ من هذا الحب فؤادي ، فأقول له ما ناجى به قيس ليلى قلبه:

” ألستَ وعدتَني يا قلبُ أني .. إذا ما تُبتُ عن ليلى تتوبُ ؟
فها أنا تائبٌ عن حبِّ ليلى .. فما لكَ كلَّما ذُكرَتْ تذوبُ ؟”

 

عن mcg

شاهد أيضاً

الدكتور محمد المعوش يفوز بجائزة مؤسّسة حياة الحويّك للدراسات الثقافية

  بوابة التربية: اعلنت مؤسّسة حياة الحويّك للدراسات الثقافية عن تقديم جائزة الدكتورة حياة الحويّك …