الإثنين , يوليو 15 2024

دولة تنصف جنديّا أو مربّيا أو قاضيا خدمها تزرع الثقة وتزهر وطنا: أيّها المتقاعدون صحّحوا الهدف

بوابة التربية- كتب العميد البروفسور جان داود:

يعتقد إنسان مثاليّ النزعة والممارسة أنّ أمور الحياة والدولة تسير حُكماً بعدالة ونظافة أخلاقيّة بحسب مثاليّته. إنّه إسقاط يقوم به مُعتبراً أنّ العالم مثاليّ على صورته، وبالتالي لا مكان لمخالفة القوانين ولا للمسّ بالقيم. هذا ما قلنا به واعتقدناه وتركنا أموراً كثيرة لمساراتها مفترضين تلقائية حصولها من مبدأ النقاء والمثاليّة. لم يخفَ علينا أنّنا في زمن مادي استهلاكي يجعل من المثاليّة مسار تندّر للعابثين بالقيم والقوانين، وربّ هؤلاء في مجالسهم المُغلَقة أو تربية أبنائهم وبناتهم أو في تقاسم مغانمهم مع شركائهم يتنمّرون على المثاليّة والنقاء. ولكن، إنْ كنت من أهل القيم والالتزام بمثاليتك، فافتخر. دعهم في موت قيمي وأخلاقي، وارفعْ رأسك واعمل على صفائك المستمرّ وصفاء بيئتك، وكُن زرعا في مقاومة الفساد وإنهاء زمن الانحطاط. إنْ كان لديك تصوّر لرفاه ورقيّ المجتمعات أرقى من مفهوم الدولة، فاعمل له عبر نقاش يؤسّس لارتقاء ونهوض، وإلا فاعمل على إعادة الدولة (والدّول) إلى ما هو مفترض أن تكون عليه قبل تقويضها ووضع مقدّراتها ومشاريعها ومخطّطاتها في أيدٍ خفيّة، أيدٍ يطلقون عليها مصطلحاً مفخَّخاً هو “الدولة العميقة” (والدولة العميقة في متداولهم هي دولة ظلاميّة نفعية يتحكم بها أصحاب مصالح أو أفراد أو شركات، على عكس ما يجب أن تكون عليه الدولة في جوهرها). آمِن بذاتك كفردٍ منه الدولة، فأنت نواة المجتمع، وأنت بما تبنيه في نقائك من أجل الخير العام حجر أساس في حماية الدولة والغاية منها. لا يتطور المجتمع إلا بنموّ أفراده بتوازن ونقاء وعدالة، ولا تتطوّر الدولة إلا بنموّ المجتمع بنقاء وتوازن وعدالة بين مكوّناته وشرائحه. وكلّ نموّ أو نهوض يجب أن يكون مُستداماً، النهوض الآنيّ طفرة عابرة. أمّا استدامة النهوض فتنعكس في الحفاظ على نمو الفرد، والعدالة بين شرائح المجتمع وأفراده. ولا يفوتنّك أنّ من أبرزعلامات فساد الدولة قيميّا، وأبرز إشارات انحدارها وموتها افتراسُها لأبنائها وكراماتهم واستغلالهم والتمييز بين شرائح المجتمع، ثقافيا، اقتصاديا، معرفيا، جندريّاً، عمريّاً، وتطبيقاً للقوانين. إنّ دولة لا تحمي النموّ المستدام لأطفالها دولة ميتة في زمن غير بعيد. ودولة لا تحمي شاباتها وشبّانها ولا تستثمر فيهم بإيجابية ولا تؤمّن لهم فرص استثمار الذات والنموّ المستدام دولة ستفرّغ ذاتها من عصب استمرارها. كما أنّ دولة لا تحمي تراثها وذاكرتها ومتقاعديها دولة لا وفاء لها، وتؤسّس لفساد وظيفي (لا حاجة لذكر الكيفيّة)، وهي حتماً بهدر حقوق موظفيها ومتقاعديها مجرّد مزرعة ينتقل بها زمن المادية إلى أدنى وأبشع مآلاته، حيث لّا يتردّد  ضباع السياسة عن سؤالك شكرهم لأنّ افتراسهم لحقوقك افتراس رحيم. ونأسف أنّ في “الدولة العميقة” الخاضعة والمُستغلّة ممارسة حيال فئة عمريّة أعطت زهوة عمرها وعقلها للآخر وللدولة (فئة المتقاعدين)، الممارسة المذلّة هذه تتمّ من دون خجل ويكاد عملاؤها يجاهرون بصلَف: أنت قمت بخدماتك، ما من حاجة إليك بعد اليوم،  إنسَ ما جنيت وارحل.

في وطن حلّ عليه غضب التجهيل والإفقار والتعتيم، لا بدّ من لفت الرأي العام، وتذكير أصحاب الشأن في الدولة من ذوي الحسّ المسؤول، أنّ معاشات التقاعد لمن خدم الدولة (من عسكريين وأساتذة جامعيين وقضاة وموظفي إدارات عامّة…)، هي نظام ائتمان وتضامن عبر مؤسسات الدولة وأنظمتها. بموجب هذا النظام، أودع كلٌّ من هؤلاء طيلة سنوات خدمته ما هو معروف بالمحسومات التقاعدية. المحسومات التقاعدية هذه تشكل نسبة مئوية من راتبه (بحدود الستة بالمائة) تقتطعها الدولة شهريّاً من الراتب قبل تسديده إيّاه. وهذه المحسومات تتراكم لدى الدولة التي استثمرتها وتستثمرها بطرق معيّنة لنموّ لهذه المبالغ وعدم فقدانها قيمتها.

جعلت الأنظمة المعمول بها في لبنان احتساب المعاش التقاعدي من ضمن معايير ترتبط بعدد سنوات الخدمة. والقاعدة الأساسيّة في الاحتساب هي عدد سنوات الخدمة مضروبة بالراتب الأخير “للموظف” عند خروجه من الخدمة، مقسومة على أربعين (على افتراض أن “الموظف” قد يخدم أربعين عاما كمُعدّل وسطيّ). هذه القاعدة تمّ كسرها من قبل السلطة في لبنان، وبات المعاش التقاعدي يُحتسب على أساس عدد سنوات الخدمة مضروبا بخمسة وثمانين بالمائة من الراتب الأخير مقسوما على أربعين. وكان باجتزاء خمسة عشر بالمائة في احتساب المعاش هدر أوّل من حقوق المتقاعد، وحصل سكوت غير مُبرّر حياله، ومن المفترض اليوم العمل على تصحيحه مع مفاعيل رجعية تنصف أهل الحق. ناهيك أنّ خلل الخمسة وثمانين بالمائة” شكّل مدخلا إلى خلل ثانٍ ممتدّ أو ناتج يُشكّل مبرداً للمعاشات. الخلل الثاني هذا، يلامس الاحتيال إنْ كان مقصودا، فينبئ باهتراء النظام وبتآمره على المواطن. وفي حال حصوله من غير قصد ولا سابق تصوّر وتصمبم يشي بأن قصورا في العقل الإداري قد حصل، أو أنّه استغباء مقصود والذنب أبلغ. وكان ما كان السبب وجب تصحيح هذا الخلل، وتكريس التصحيح في القوانين منعاً من العودة إليه عن قصد أو غير قصد. الخلل الثاني قائم في “لعبة” الخمسة وثمانين بالمائة. حيث، عند تصحيح الرواتب كبدل غلاء معيشة، يتمّ إعطاء الموظف في الخدمة تصحيحا ما، ويتم إعطاء المتقاعد خمسة وثمانين بالمائة من التصحيح. واندرج الأمر على المساعدات الاجتماعية (بغض النظر عن سلبية المصطلح) فبات يُعطى للمتقاعد أقلّ من الخمسة وثمانين بالمائة، وقد يسأله أهل السلطة أن يتفهّم، ويشكر ويقبل بما أتى، ويكون استقواء عليه، يقتضي تنبّهاً من النقابات وروابط من هم في الخدمة الفعليّة فهُم اللاحقون في التقاعد.   

نوضح ونؤكد للرأي العام أنّ الأموال التي تُسدّد للمتقاعدين كمعاشات تقاعد هي أموالهم، وليست أموال الدولة. إنّها أمانة أودوعها سلفاً لدى الدولة، وعلى الدولة الحاضنة للمواطنين والمسؤولة عن رفاههم، أن تستثمر تلك الأموال بما لا يسمح بفقدانها قيمتها، وبما يحفظ للدولة والمؤسسات الحاضنة قوّة حماية الأمانة. وتبلغ قيمة المحسومات التقاعدية أرقاما عالية يمكن في حال حسن استثمارها أن تموّل القطاع العام وبعض مشاريعه. ويبيّن باحث من الجامعة اللبنانية (د. بشارة حنا) أنّ وفر المحسومات التقاعدية المتراكمة لدى الدولة هي “استثمار مربح للخزينة” وأنّ “احتياط فرع نهاية الخدمة بالدولار الأميركي ارتفع من 5.2 مليار دولار عام 2011 إلى 8.3 مليار دولار خلال العام 2016”. ومن المؤكد أنّه ما من متقاعد يستعيد كامل وفر واستثمار محسوماته التقاعدية مهما طال به العمر.

ما تقدّم يؤكّد ضرورة مقاربة معاشات التقاعد من خارج النظرة السائدة بأنّها رواتب تأتي من الدولة. معاشات التقاعد هي أموال أودعها المتقاعد لدى خزينة الدولة عندما كان في الوظيفة. وبالتالي معاش التقاعد ليس بمساعدة، ولا هبة، ولا مكافأة، إنّه حقّ وأمانة أودعها المتقاعد لدى الدولة.

لمّا كانت رواتب الموظفين كما معاشات المتقاعدين تتآكل باستمرار، يتمّ تصحيحها كبدل غلاء معيشة. وعندما يتمّ تصحيح رواتب أو إعطاء بدائل أو مساعدات للعاملين في القطاع العام كغلاء معيشة، فالتصحيح أو المساعدات والزيادات تلحق بمن هم في الخدمة، ولايستفيد منها المتقاعدون بنفس النسبة، ولا بشكل منصف وعادل . نتيجة ذلك لحق بحقوق المتقاعدين الإجحاف أكثر من مرّة بسبب ما أدعوه خلل الخمسة وثمانين بالمائة. فبات من الضروري إعادة مقاربة مسألة احتساب معاشات التقاعد وتصحيحها من منطلق علمي ومنطقي. وإليكم واقع حال المشكلة وتكرار الفكرة ضرورة: عندما يخرج الموظف في القطاع العام (الموظف في الإدارات الرسمية، أو المعلم، أو العسكري أو القاضي أو الأستاذ الجامعي)، يتم تحديد معاش تقاعده على أساس قاعدة: خمس وثمانون بالمائة من راتبه مضروبة بعدد سنوات الخدمة مقسومة على أربعين.  فيكون بذلك الحاصل مساويا لرقم نرمز إليه بحرف  “م” .

غداة خروج أي “موظف” إلى التقاعد يبدأ معاشه التقاعدي (م) بالتآكل بسبب الغلاء أو الانخفاض في قيمة العملة، فيتمّ إعطاء بدل غلاء معيشة للحفاظ على القدرة  الشرائية للرواتب، مما يستوجب موازاة الحفاظ على القدرة الشرائية لمعاشات المتقاعدين. إن أي غلاء معيشة أو تصحيح رواتب للموظفين في القطاع العام يجب أن يطال المعاش التقاعدي (م) وبنسبة مائة بالماية من التصحيح، وليس خمسة وثمانين بالمائة من التصحيح أو المساعدة. فالهدف من بدلات غلاء المعيشة هو الحفاظ على القيمة الحقيقية لمعاشه التقاعدي الذي هو من مدخراته لدى الدولة. إنّ ما يحصل من ممارسات حيال هذه الحقوق حرم ويحرم المتقاعدين من خمسة عشر بالمائة من التصحيح، تلو خمسة عشر بالمائة، فتتسع الهوّة بين أصل المعاش التقاعدي المُستحق والمكرّس في القوانين وبين ما ينتهي إليه بعد التآكل عبر متغيرين: غلاء المعيشة ومبرد الخمسة وثمانين بالمائة، وفي ذلك إجحاف غير مقبول.  

لذلك، وجب التشريع أو تثبيت مبدأ أن تطال الزيادات وتصحيحات الأجور معاشات التقاعد بنسبة مائة بالمائة من الزيادات أو تصحيح الرواتب الذي يلحق من هم في الخدمة. ويجب أن يحصل ذلك بفلسفة تقول: تُعطى الزيادة والتصحيحات أولا للمتقاعدين لأنها من مالهم ومحسوماتهم التقاعدية، وتُعطى لمن هم في الخدمة زيادات وغلاء معيشة أسوة بالمتقاعدين. بذاك تحترم الدولة من هو في الخدمة وتطمئنه إلى أنّ محسوماته التقاعدية بأمان، وكرامته بأمان عندما يخرج إلى التقاعد.

إنّ قضم معاشات المتقاعدين عن معرفة هو سوء نيّة وخبث، وقضمها عن غير معرفة هو سوء أداء. كما أنّه من علامات عدم احترام حقوق الأنسان، وعلامة عقوق في القوانين والتشريع أو في سلوكيّة أهل السلطة، ونفترض صمتَ المواطنين والمشرّعين والروابط والنقابات علامة سوداء على جبين الدولة والوطن. لعلّ جبين السلطة قد تقرّح من النتوءات والحفر السوداء والاهتراء غير الحافل بالكرامة، لكن ذلك لا يمنعنا من مخاطبة من بقي من أهل الكرامة: شرّعوا بما يخدم الأمانة، وبما يعيد إلى جبين الدولة نضارة افتقدها. فمن إشارات رقيّ الدولة إنصاف من خدمها. وتعزيز الانتماء إلى الوطن يحتاج إلى تعزيز صورة الدولة العادلة لدى المواطن.  

العدالة والإنصاف ليست فقط بالمساواة في الفرص والحقوق والواجبات بين المواطنين في علاقاتهم الندّية كأفراد وجماعات، ولعلّ مقياسها الحقيقي هو التزام الدولة بواجباتها وعدم التقصير في إيفاء المواطن حقوقه، وعدم الإخلال بالأمانة: المواطن أمانة، وهو سرّ قيام الدولة وغايتها. كما أنّ حقوق المواطن أمانة وهي مقياس مصداقية الدولة وصورتها. والمواطن في  القضية التي أُطرح قد خدمَ الدولة في زهوة سني حياته، وائتمنها على جنيه في محسوماته التقاعدية طيلة سنوات خدمته لها. وسيادة الدولة واستقلاليتها تعني أصالتها وعدم السماح لقيام “دولة عميقة” تتحكم بها وتشوّه صورتها أو تقوّضها، وقضم حقوق المتقاعدين منافٍ لمفهوم الدولة وسيادتها. وتذكّروا: دولة تنصف جنديّا أو معلّما أو قاضيا خدمها تزرع الثقة وتزهر وطنا.

إنصافاً لصورة الدولة، وإعادة للثقة بالقطاع العام، ولأنّ قضيّة المتقاعدين قضيّة أخلاقيّة قبل أن تكون معيشية، وجب التشريع بما ينصف نبض الدولة (عنيت به: كل عامل في القطاع العام وفي مختلف مجالات الدولة إدارة، حماية، تربية قضاءا، تنمية…). وفي المسألة موضوع المقالة هذه، وجب: أ- تعديل مسالة احتساب المعاش التقاعدي وإزالة “لعبة” الخمسة وثمانين بالمائة. ب- التشريع بما يعطي المتقاعدين حقوقهم الكاملة عند كل زيادة أو مسمّاة مساعدة وهي مائة بالمئة من بدل غلاء المعيشة أو التصحيح. ج- حذف مفردة مساعدة التي تمّ ربطها بالمعاشات التقاعدية، فكيف أنتم تساعدون متقاعدا من ماله الذي هو محسوماته التقاعدية التي ائتمنكم عليها؟ كما أسأل ختاماً التشريع بما ينقذ القطاع العام ويعيد إليه دوره. وحده قطاع عام (بالمفهوم الواسع للقطاع العام) شفّاف، كفوء، ملتزم الخير العام، مطوّر لنفسه معرفيّا ومهنيّا ومعلوماتيّا، ونظيف الكف، ملتزم بالقوانين والقيم وبتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار، ينهض بالدولة ويحميها ويرسم مسقبلا ونهضة بالوطن وأهله. ولعلّ أبرز المحفّزات للقطاع العام ثقته بأنّ الدولة التي يخدمها تحفظ حقوقه وكرامته في سنيّ تقاعده. ولا بدّ من لفتة إلى ضرورة التشريع أيضا في  مسألة لها منافعها الكبرى ولها مردودها العميق على الوطن: فلتستثمر الدولة بحكمة في مجال الشباب فتوجِد المحفزات للبحث العلمي وإعطاء منح للتخصص العالي حفاظاً على المتفوقين الواعدين فلا يغادرون الوطن. لا نريد منحَ تفوّق تسلبنا أفضل شبابنا ينهضون بعد تخصّصهم بالدول المانحة. ولتستثمر الدولة أيضا في المتقاعدين المنتجين علميّا وبحثا وإنتاجا، فتعيد النظر بقانون التقاعد في حال القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية، وتجعل التقاعد اختياريا لا عمر له (كما في الدول غير الفاشلة والمرتقية بنفسها باستدامة) من ضمن سلّة شروط تستثمر الكفاءة والنتاج العلمي والبحثي.

عن mcg

شاهد أيضاً

الدكتور محمد المعوش يفوز بجائزة مؤسّسة حياة الحويّك للدراسات الثقافية

  بوابة التربية: اعلنت مؤسّسة حياة الحويّك للدراسات الثقافية عن تقديم جائزة الدكتورة حياة الحويّك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *