
بوابة التربية- كتب د.نزيه الخياط*:
إنّ أزمة الجامعة اللبنانية ليست معزولة عن أزمة الدولة، بل هي مرآتها الأكثر وضوحاً. فكما لا تقوم دولة من دون مؤسسات مستقلة، لا تقوم جامعة من دون قرار أكاديمي حر ومسؤول.
حينما تُصادَر وظيفة الجامعة النقدية، لا يعود الفشل استثناءً في مسار الإصلاح، بل يصبح نتيجته الحتمية. فالأزمة التي تعصف بالجامعة اللبنانية لم تعد تُختزل بتفرّغ أساتذة، أو بموارد شحيحة، أو برواتب متآكلة، أو بآليات إدارية مترهّلة، بل باتت أزمة وظيفة ودور. ذلك أنّ الجامعة، حينما تفقد قدرتها على إنتاج الفكر النقدي، لا تُخفق في أداء مهمتها الأكاديمية فحسب، بل تفقد مبرّر وجودها كمؤسسة عامة مستقلة.
إنّ السؤال عن فشل إصلاح الجامعة يتجاوز إشكالية التفرّغ بواقعها الراهن، كما يتجاوز استعصاء إقرار ملاكاتها المفقودة أو تردّي الإجراءات الإدارية، المعطوفة على صلاحيات رئيسها شبه المطلقة وعلاقة التبعية التي تربطه بغالبية رؤساء الوحدات الأكاديمية. فجوهر الأزمة يكمن في طبيعة العلاقة التي ربطت الجامعة بالسياسة، وحوّلتها تدريجاً من فضاء معرفي نقدي إلى جهاز تعليمي تلقيني منزوع العقل.
1. من الفضاء النقدي إلى جهاز إداري
تاريخياً، شغلت الجامعة اللبنانية موقعاً مركزياً في تكوين النخب الفكرية والعلمية، وكانت إحدى أدوات تحقيق العدالة التعليمية وبناء المجال العام. غير أنّ هذا الدور بدأ يتآكل مع إخضاعها المتدرّج لمنطق الزبائنية السياسية والطائفية، بحيث لم تعد تُدار كمؤسسة أكاديمية مستقلة، بل كمساحة محاصصة وتوازنات ونفوذ.
ومع الوقت، لم يعد التدخل السياسي استثناءً أو خللاً عارضاً، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في نمط إدارة الجامعة. ولم يقتصر هذا التحوّل على التعيينات أو التوظيف، بل طال جوهر القرار الأكاديمي والمالي معاً. فقد أُضعفت المجالس الأكاديمية العلمية، وعُطّلت آليات المساءلة والتقييم، وتحولت معايير الترقية وتقويم الأبحاث إلى نتاج تسويات غير معلنة، فاقمت من تشظّي البنية الجامعية، وبرزت أخيراً في مظاهر فساد خطيرة، من بينها تجرؤ بعض الأساتذة على مقايضة نجاح الطلاب بالرشوة.
نتيجة هذا المسار، تراجع دور الجامعة كمؤسسة منتجة للنقد، وتحولت إلى جهاز تعليمي تلقيني يستهلك المعرفة بدل أن يسهم في إنتاجها أو مساءلة المجتمع.
2. التفرّغ والملاكات: أدوات ضبط أم أدوات إصلاح؟
برز التفرّغ الكامل للأساتذة بوصفه المدخل المعلن للإصلاح، غير أنّ التجربة أثبتت أنّ التفرّغ، حينما يُفصل عن حوكمة مستقلة وملاكات واضحة، لا يؤدي بالضرورة إلى اختيار الأكفاء، ولا ينعكس تحسّناً فعلياً في جودة التعليم أو البحث العلمي.
التفرّغ ليس امتيازاً وظيفياً، بل التزام أكاديمي شامل فالتفرّغ الحقيقي يفترض:
• حضوراً كاملاً ومنتظماً للتدريس،
• انخراطاً فعلياً في البحث العلمي والأعمال التطبيقية،
• تطويراً مستمراً للمناهج،
• ومشاركة فاعلة في الحياة الأكاديمية والمؤسسية.
غياب هذه المعايير يفضي إلى تفرّغ شكلي يغلب عليه طابع الوجاهة بالألقاب، أو إلى التزام مزدوج خارج الجامعة، ما يحوّل التفرّغ إلى أداة ضبط وظيفي لا إلى رافعة معرفية.
أما الملاكات، فإن لم تُربط بالمناهج، وعدد الطلاب، وحاجات البحث، فإنها تتحول بدورها إلى أداة سلطة، وتُنتج أنصبة وهمية وبطالة أكاديمية مقنّعة. وهو نمط يعكس إدارة قائمة على الاستيعاب لا التخطيط، وعلى التوازنات لا المعايير.
غياب المعايير الواضحة في الملاكات والتفرّغ يُفرغ أي إصلاح من مضمونه منذ البداية.
3. الفكر النقدي المفقود: أزمة أعمق من الإدارة
الأثر الأخطر لهذا المسار لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما أحدثه في الثقافة الأكاديمية نفسها. فالفكر النقدي، الذي يُفترض أن يشكّل قلب العمل الجامعي، تراجع أمام ثقافة الامتثال والتكيّف والصمت، في ظل بيئة تربط الترقية والاستقرار الوظيفي بقرارات سياسية استتباعية غير شفافة.
ومع الوقت، لم يعد هذا التراجع نتيجة قمع مباشر، بل حصيلة تآكل تدريجي لدور الأستاذ الجامعي بوصفه فاعلاً نقدياً مستقلاً. وحينما يصبح النقد مخاطرة شخصية لا وظيفة مؤسسية، تفقد الجامعة أحد شروط وجودها الأساسية.
جامعة بلا نقد قد تستمر إدارياً، لكنها لا تنتج مجتمع معرفة ولا تسهم في بناء دولة حديثة.
خاتمة: إعادة الاعتبار للفكر النقدي
إنّ إصلاح الجامعة اللبنانية لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات إدارية ظرفية أو تسويات مرحلية، مهما بدت ضرورية، كما حصل أخيراً في ملفّ تفرّغ الأساتذة، وكما قد يحصل لاحقاً في مطلب تثبيتهم عبر إدخالهم إلى الملاك. فالمطلوب هو إعادة طرح سؤال الدور:
هل الجامعة مجرد مؤسسة لتخفيف البطالة المقنّعة، أم فضاء مستقل لإنتاج المعرفة وبناء العقل النقدي؟
إنّ أزمة الجامعة اللبنانية ليست معزولة عن أزمة الدولة، بل هي مرآتها الأكثر وضوحاً. فكما لا تقوم دولة من دون مؤسسات مستقلة، لا تقوم جامعة من دون قرار أكاديمي حر ومسؤول.
إعادة الاعتبار للفكر النقدي داخل الجامعة ليست ترفاً فكرياً، بل شرط بنيوي لأيّ مشروع إصلاحي جدّي.
جامعة تُدار بمنطق الزبائنية قد تستمر إدارياً، لكنها تفقد معناها. أما الجامعة المستقلة نقدياً، فهي وحدها القادرة على أن تكون رافعة للخروج من الأزمة.
المصدر : النهار
* أكاديمي – رئيس مجلس إدارة صندوق تعاضد الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية (سابقاً)
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate