
بوابة التربية: وجه الأستاذ المتعاقد في الجامعة اللبنانيَّة الدكتور أمين الياس، رسالة إلى كلّ معنيّ بشأن الجامعة اللبنانيَّة… جاء فيها:
أكتب اليوم وقلبي يعتصره الغمّ والحزن وشبه اليأس من وضعي كأستاذ متعاقد في الجامعة اللبنانيَّة، حيث قدمتُ، مع زملائي، زهرة شبابنا وعمرنا وعلمنا وخبرتنا وحتّى مالنا، ولم نُقابل إلّا بالإهمال وعدم الاكتراث من قبل المعنيّين بشأن التربية بشكل عام، وبشأن الجامعة اللبنانيَّة بشكل خاصّ.
غالبيَّة الأساتذة المتعاقدين اليوم في الجامعة اللبنانيَّة هُم ممّن خدموا هذه المؤسَّسة لأكثر من 12 أو 13 عامًا، ومنهم أكثر من ذلك. غالبيّتنا قامات أخلاقيَّة ووطنيَّة وأكاديميَّة وعلميَّة لا غبار عليها. غالبيّتنا بدأوا في الجامعة وهم في بداية الثلاثينيَّات من العمر، وها هم يجدون أنفسهم اليوم تخطّوا منتصف الأربعين من عمرهم، ولا وضعيَّة وظيفيَّة لهم تليق بعلمهم ونضالهم وتضحياتهم من أجل العلم والأكاديميا والجامعة اللبنانيَّة. غالبيّتنا أصبح ربّ أو ربّة عائلة، تتراكم علينا مسؤوليَّات التعليم والتفكير والبحث وتمثيل لبنان في المحافل الأكاديميَّة والمراكز البحثيَّة العالميَّة، وفي الوقت عينه تمزّقهم مسؤوليّاتهم العائليَّة والاهتمام بالأولاد وبالأهل على السواء في بلد يُهمل فيه الكبير والصغير.
يقوم كل أستاذ وأستاذة منّا بتغطية نصاب كامل من التعليم، وأحيانًا كثيرة نعلّم ساعات أعلى من النصاب العادي. كلّ ساعات التعليم هذه، مقابل حفنة قليلة من المال تُوزّع علينا متفرّقة وبعد فترات طويلة (طبعًا لن أخبركم بسنوات انهيار العملة اللبنانيَّة كيف تحوّل تعبنا إلى فتات لا يكفي لمصروف أيام معدودة). حفنة لا تكفينا أحيانًا مصروف شهر أو شهرين (مقابل عمل عام كامل). فنضطر صاغرين للعمل في أمور أخرى، والقفز بين هذه الجامعة الخاصَّة أو تلك، أو بين تلك المدرسة أو تلك، وتكديس مئات ساعات التعليم المضنية كي لا نقع في العوز. صدّقوني، أحيانًا نستعمل المال المنتج من عملية القفز بين الجامعات والمدارس وشتى أصناف الأعمال هذه من أجل أنْ نتمكّن من دفع مصاريف النقل والمجيء إلى كلّياتنا في الجامعة اللبنانية. لا أجر ثابت وعادل لنا، ولا أيّ شكل من التقديمات، ولا ضمانات اجتماعيَّة أو صحيَّة أو تعليميَّة لأولادنا. طبعًا لن أتكلّم هنا عن معاناتنا من انعدام ميزانيّات المكتبات والبحث العلمي والمختبرات وبرامج تبادل الخبرات والأساتذة والمؤتمرات مع الجامعات في شتى أنحاء العالم.
عُمر كامل بات وراءنا، عمر لم نستثمره إلَّا في القفز المضني والعبثي وراء لقمة العيش وكأننا عمّال مياومين. سنوات قضيناها في العلم والبحث والسهر والتحدّيات من أجل الحصول على شهادات الدكتوراه، فإذا بمسيرتنا الطموحة تتحوّل، بفعل سياسات التعليم العالي في لبنان، إلى خسارة للوقت والجهد والأمل. أمَّا ما تبقّى من العُمر فهو مليء بالإحباط والانتظار “السيزيفي” والقلق لا على الذات فحسب، بل على مستقبل أطفالنا وعائلاتنا وعلى أمنهم وأمانهم المعيشي. وما يزيد من وجعنا أنَّ أحدًا لا يقول لنا ما هو مصيرنا غدًا. متروكون في العراء وكأنَّنا لا شيء، وكأنّنا لسنا ببشر. هل هذا هو لبنان؟ هل لهذا كان لبنان وكانت جامعته؟ أهؤلاء هم المسؤولون في لبنان وفي جامعته؟ هل هكذا يتمّ معاملة الإنسان في وطنِ من قام بصياغة ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
يا للعار من حالنا.
نعم، لقد أصبحنا في مرحلة نشعر بمرارة تكسُّر أحلامنا. وبدل أنْ نكون قممًا في الفكر والبحث والعلم، تحوّلنا، في بلد الحوكمة الظالمة والفاسدة، إلى ضحايا الإهمال والتلكّؤ وعدم الاكتراث بطاقاتنا البشريَّة والفكريَّة والعلميَّة والأكاديميَّة.
أليست هذه مذبحة للبشر والأفكار والعلم والروح الأكاديميَّة؟
ما يعطيني شخصيًّا بعض الأمل اليوم، هو اهتمام فخامة رئيس الجمهوريَّة، العماد جوزف عون، بملفّ الجامعة اللبنانيَّة، ووجود رئيس حكومة، كالقاضي نواف سلام، يدرك معنى وأهميَّة الأكاديميا في لبنان وأهميَّة دور الجامعة اللبنانية وأساتذتها في بناء المستقبل اللبناني. كما أنه لا يزال لدي الثقة الكبيرة بشخص معالي وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان ، الأستاذة ريما كرامي، لإدراكي مدى وعيها لأهميَّة التعليم العام وتعزيز المؤسسات التربوية العامَّة في لبنان. لقد حان الوقت للقول أنّ التربية والتعليم العالي هما الخط الأهمّ للدفاع عن لبنان وجمهوريَّته وبناء مستقبله، وكلّ استثمار بنّاء وذكي فيهما إنّما هو مكسب للجمهورية وليس العكس.
ونبقى على الأمل رغم مذبحتنا.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate