
بوابة التربية: د. إيلي لطوف*:
بينما يتنقّل دولة الرئيس نواف سلام بين نيويورك وواشنطن لمتابعة ملفات جنوب لبنان ومصير قوات الأمم المتحدة المؤقتة واتفاق الإطار، ينتظره في بيروت استحقاقٌ لا يقلّ إلحاحاً على حياة اللبنانيين: ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، الذي بات العام الدراسي الجديد لهذه الجامعة الوطنية الوحيدة رهينةً له.
الملف ليس وليد اللحظة، بل يمتدّ منذ نحو اثني عشر عاماً من عطاءٍ أكاديمي متواصل قابله غياب الاستقرار الوظيفي. ففي عام 2017 وحده، خصّصت لجنة رسمية أربعين جلسة لدرس قرابة 989 ملفاً، وتبيّن لها أن 568 منها يستوفي شروط التفرّغ، قبل أن يُترك الملف لسنوات إضافية من الانتظار.
وفي شباط 2026، بدا الحسم في متناول اليد: أقرّ مجلس الوزراء بموجب القرار رقم 17 منح صفة التفرّغ لـ1690 أستاذاً متعاقداً، على أربع دفعات تمتد حتى 2029 (400 في كل من 2026 و2027 و2028، و490 في 2029)، على أن تباشر الدفعة الأولى عملها اعتباراً من مطلع أيلول الحالي. إلا أنّ ذلك الموعد مرّ من دون أن يصدر المرسوم الذي يحدّد أسماء المشمولين، فتحوّل الوعد إلى مصدر قلقٍ جديد بدل أن يكون خاتمة الملف.
التقى وفدٌ من لجنة الأساتذة المتعاقدين بالساعة دولة الرئيس، الذي وعد بطرح الملف على مجلس الوزراء في مطلع شهر أيلول، غير أنّ جلسة العاشر من أيلول انتهت بتأجيلٍ جديد، وسط حديثٍ متكرر في الصحافة عن حسابات سياسية وطائفية في توزيع الأسماء بين الكليات، أكثر منه عن اعتراضاتٍ مالية أو أكاديمية جدّية. ردّت لجنة الأساتذة المتعاقدين في الجامعة، بإعلان تعليق العمل بالكامل، تدريساً وإدارة، إلى حين اكتمال إقرار الملف، ولم يهدأ التحرك منذ ذلك الحين، من اعتصامٍ في مجمّع الحدث الجامعي إلى مواقف متلاحقة تصف صبر الأساتذة بأنه نفذ.
واليوم، فيما تمضي مواعيد التسجيل الإداري في كليات الجامعة اللبنانية للعام 2026-2027 كأنّ شيئاً لم يتغيّر، تبقى القاعات الفعلية رهن إرادة آلاف الأساتذة المضربين، الذين يربطون صراحةً عودة الانتظام إلى جامعتهم بعودة دولة الرئيس شخصياً من رحلته. وكما عبّر أحدهم عن موقف زملائه: “لن ندخل إلى العام الدراسي المقبل إلا أساتذة متفرغين”.
المطلوب من دولة الرئيس، عند عودته، إخراج هذا الملف نهائياً من منطق المقايضة السياسية، عبر إقراره كاملاً بدفعاته الأربع كما نصّ القرار 17، ونشر معايير الاختيار بوضوح، وتأمين الغطاء المالي اللازم ضمن الموازنة كي لا يبقى القرار حبراً على ورق. فما يطلبه هؤلاء الأساتذة ليس منّةً من أحد، بل استحقاقاً تراكم عبر اثني عشر عاماً من خدمة الجامعة الوطنية، ترتبط نتيجته بمصير عشرات آلاف الطلاب الذين ينتظرون عاماً جامعياً طبيعياً، لا عاماً ثالث عشر من الانتظار.
*أستاذ وباحث جامعي، كلية التربية -الجامعة اللبنانية
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate