
بوابة التربية- كتبت البروفيسورة جمانة طفيل الطفيلي*:
جاء قرار الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية بإعلان الإضراب يومي 29 و30 أيلول 2026، للمطالبة بإقرار ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين بالساعة، خطوةً كان ينتظرها كثيرون منذ زمن، وإن جاءت متأخرة. ومع ذلك، فأن يأتي الموقف متأخراً خير من ألا يأتي أبداً، ومن الواجب اليوم أن نحيّي الرابطة على وقوفها إلى جانب زملاء طال انتظارهم، وعاش بعضهم سنوات من عدم الاستقرار الوظيفي، فيما كانوا يؤدون واجباتهم كاملة في قاعات الجامعة ومختبراتها، يعلّمون طلابها ويساهمون في أبحاثها واستمرارها وفي حمل جزء أساسي من رسالتها الوطنية والأكاديمية.
فالتفرغ، بالنسبة إلى الأستاذ الذي استوفى شروطه الأكاديمية والقانونية وتحتاج الجامعة فعلياً إلى اختصاصه، ليس منّة سياسية ولا مكافأة حزبية ولا حصة تمنحها سلطة لطائفة أو جهة، بل هو استحقاق أكاديمي وحق ينبغي أن تحكمه حاجة الجامعة والكفاءة والاختصاص والقانون. ولذلك، عندما تقول الرابطة إن استمرار التأخير في إقرار الملف يُبقي شريحة واسعة من الزملاء في دائرة الظلم وعدم الاستقرار الوظيفي ويضعف قدرة الجامعة على أداء رسالتها، فهي تصيب؛ وعندما تطالب بأن يتم التفرغ وفق معايير الكفاءة والحاجة الفعلية والشفافية، بعيداً عن التوظيف العشوائي والاستنسابية، فنحن معها بلا تحفظ.
لكن، ومن الموقع نفسه الذي نحيّي فيه هذا الموقف، لا يمكن أن نمر بصمت أمام العبارة التي ختمت بها الرابطة تحديد معاييرها، أي ضرورة أن يتم التفرغ «بما يحفظ التوازن الوطني وميثاق العيش المشترك»، لا سيما إذا كان المقصود من «التوازن الوطني»، كما بات متداولاً في النقاش حول الملف، إخضاع تفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية لمعادلة عددية طائفية.
فإذا كان المقصود بالتوازن الوطني أن تبقى الجامعة جامعة لكل لبنان، وأن تُصان فيها حقوق جميع اللبنانيين، وأن يُمنع الإقصاء أو التمييز أو الاستئثار، فلا خلاف على ذلك، بل هو جوهر ما نريده للجامعة الوطنية. أما إذا تحولت العبارة في التطبيق إلى قاعدة تفرض موازنة طائفية بين أسماء الأساتذة، بصرف النظر عن حاجات الكليات والاختصاصات والكفاءة والخبرة والإنتاج العلمي، فإننا نكون أمام مسألة مختلفة تماماً، لا يجوز التعامل معها على أنها مجرد تسوية سياسية تقتضيها ظروف البلد، بل ينبغي إخضاعها أولاً للدستور والقانون ولمقتضيات العمل الأكاديمي.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً: أين السند الدستوري الذي يجعل الانتماء الطائفي معياراً في اختيار الأستاذ الجامعي؟
فالمادة 12 من الدستور اللبناني تقرر أن لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، وألا تكون هناك ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة وفقاً للشروط التي ينص عليها القانون. أما المادة 95، فقد كرست اتجاهاً دستورياً واضحاً يقوم على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العامة، مع استثناء محدد يتعلق بوظائف الفئة الأولى وما يعادلها، حيث نصت على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ولكنها، حتى ضمن هذا الاستثناء، أبقت التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة شرطاً أساسياً.
وبالتالي، فإن القراءة الدقيقة للدستور تقود إلى حقيقة لا ينبغي قلبها: القاعدة هي الاختصاص والكفاءة، أما التمثيل الطائفي فهو استثناء محدد النطاق، والاستثناء لا يجوز أن يتحول، بفعل الممارسة السياسية، إلى قاعدة عامة تمتد إلى كل مؤسسة وكل وظيفة وكل موقع في الدولة.
ومن هنا يطرح السؤال القانوني الجوهري الذي يفترض بالرابطة، بوصفها ممثلة لنخبة أكاديمية وحريصة على القانون واستقلال الجامعة، أن تكون في مقدمة من يطرحه: هل الأستاذ المتفرغ في الجامعة اللبنانية يشغل وظيفة من وظائف الفئة الأولى أو ما يعادلها حتى يُخضع تفرغه حكماً لمعادلة المناصفة المنصوص عليها في المادة 95؟ فالجامعة اللبنانية لها نظامها الأكاديمي الخاص، ولأساتذتها هيكلية ومسار وظيفي وأكاديمي تحكمهما قوانين وأنظمة خاصة، وبالتالي فإن نقل الاستثناء الدستوري المتعلق بالفئة الأولى إلى ملف تفرغ الأساتذة يحتاج إلى سند قانوني واضح، ولا يكفي لتبريره عرف سياسي ترسخ بفعل سنوات طويلة من المحاصصة.
وهنا تحديداً يجب أن يكون موقف أهل الجامعة أكثر جرأة من موقف أهل السياسة، لأن الأستاذ الجامعي ليس رقماً في جدول توزيع المواقع بين الطوائف، والجامعة اللبنانية لا تعيّن محافظين أو مديرين عامين ولا توزع مراكز سياسية؛ إنها تختار من سيعلّم أبناء لبنان، ومن سيشرف على أبحاثهم ورسائلهم، ومن سيبني معهم المعرفة التي سيحملونها إلى الطب والهندسة والعلوم والآداب والقضاء والتعليم وسائر ميادين المجتمع. ولذلك يفترض أن يدخل الأستاذ إلى الجامعة بما يحمله ملفه من اختصاص وخبرة وتعليم وأبحاث وإنتاج علمي، لا بما تحمله خانة مذهبه في سجلات النفوس.
ولنضع المسألة أمام امتحان بسيط للمنطق والعدالة معاً: إذا كانت كلية معينة تحتاج، وفق دراسة أكاديمية موثقة، إلى عشرة أساتذة في اختصاصات محددة، وتوافر عشرة مرشحين يستوفون الشروط ويتمتعون بالكفاءة والخبرة التي تحتاج إليها الجامعة، ثم تبين أن سبعة أو ثمانية منهم ينتمون، بالمصادفة، إلى الطائفة نفسها، فهل نستبعد بعضهم لمجرد أن طائفتهم تجاوزت رقماً مرسوماً سلفاً؟ هل نقول لأستاذ إن اختصاصه مطلوب، وخبرته ثابتة، وملفه الأكاديمي مستوفٍ للشروط، والجامعة تحتاج إليه، ولكنه لن يتفرغ لأن طائفته استنفدت «حصتها»؟
وفي الاتجاه المعاكس، إذا اقتضى تحقيق التوازن العددي المفترض إدخال مرشح لا يتمتع بالمستوى الأكاديمي نفسه، أو لا تشكل الجامعة حاجة فعلية إلى اختصاصه، فهل نقبل بخفض معيار الكفاءة كي نرفع معيار الطائفة؟ وإذا فعلنا ذلك، فمن سيدفع الثمن؟ بالتأكيد لن يدفعه الوزير ولا الزعيم ولا الطائفة التي حصلت على مقعد إضافي، بل سيدفعه الطالب اللبناني، وستدفعه الجامعة اللبنانية من مستواها الأكاديمي وسمعتها وقدرتها على المنافسة لسنوات طويلة.
وهنا أقولها بوضوح، حتى لا يُفسر هذا الموقف على أنه اعتراض على طائفة لمصلحة أخرى: إذا كانت المحاصصة ستمنح طائفتي مقاعد إضافية لا تستحقها وفق الحاجة والكفاءة، فأنا أرفضها كما أرفضها عندما تحرمني أو تحرم أي شخص آخر من حق مستحق. فالمبدأ لا يصبح عادلاً عندما يخدمني وظالماً عندما يضرني؛ إما أن نؤمن بأن الكفاءة والحاجة والقانون هي معاييرنا، وإما أن نقبل بأن الجامعة أصبحت امتداداً لمنطق تقاسم الدولة بين الطوائف.
إن الجامعة التي نريد الدفاع عنها ليست جامعة طائفتي ولا طائفة سواي، بل الجامعة اللبنانية، والجامعة الوطنية لا تُبنى بأن نضمن لكل طائفة عدداً من المقاعد، وإنما بأن نضمن لكل طالب لبناني أن يقف أمامه أفضل أستاذ يمكن للجامعة أن تستقطبه وفق حاجاتها ومعاييرها العلمية.
من هنا تأتي المسؤولية المضاعفة لرابطة الأساتذة. فالرابطة ليست مجرد هيئة مطلبية تدافع عن المصالح الوظيفية لأعضائها، بل هي جزء من الضمير الأكاديمي للجامعة، ومن واجبها أن تكون في مقدمة المدافعين عن القانون واستقلال الجامعة وعن سيادة المعيار العلمي، لا أن تتكيف مع واقع سياسي خاطئ لمجرد أنه أصبح أمراً واقعاً. وإذا كانت الطائفية قد عشعشت، مع الأسف، في مؤسسات الدولة حتى أصبح اللبناني يسمع يومياً أن «هذا هو الواقع» وأن «هكذا يسير البلد» وأن أي ملف لا يمر من دون تسوية طائفية، فإن وظيفة الهيئات الأكاديمية والنقابية ليست أن تمنح هذا الواقع شرعية إضافية، بل أن تبقى من المساحات القليلة القادرة على مقاومته.
فالخطأ لا يصبح صواباً لكثرة ممارسته، والمخالفة لا تتحول إلى قاعدة دستورية لأنها تكررت، والمحاصصة لا تصبح معياراً أكاديمياً لأن القوى السياسية اعتادت عليها. وإذا كان من الصعب تغيير واقع ترسخ لعقود، فإن الاستسلام له داخل الجامعة هو أخطر أشكال التطبيع معه، لأننا عندها لا نكون قد سمحنا للطائفية بأن تدير السياسة فحسب، بل نكون قد سمحنا لها بأن تحدد أيضاً من يستحق أن يصنع المعرفة ومن يقف أمام أجيال لبنان في قاعات التعليم.
وهنا تكمن مفارقة يصعب قبولها: كيف نطالب الجامعة اللبنانية بأن تنافس الجامعات العالمية، وأن ترتقي في التصنيفات الدولية، وأن تنتج أبحاثاً رصينة، وتجذب التمويل العلمي، وتطور برامجها وتضمن الجودة والابتكار، ثم عندما نصل إلى أهم عنصر في هذه المنظومة، أي الأستاذ، نضع إلى جانب سيرته العلمية ميزاناً طائفياً؟ إن المختبر لا يسأل الباحث عن طائفته قبل أن يقبل نتيجة تجربته، والمجلة العلمية لا تسأل صاحب البحث عن مذهبه قبل تحكيم إنتاجه، والمعادلة الرياضية لا يتغير حلها بحسب انتماء من كتبها؛ فلماذا نقبل بأن يخضع اختيار الأستاذ الجامعي لما لا يخضع له العلم نفسه؟
إن حماية التعددية اللبنانية لا تكون بخفض سقف المعايير الأكاديمية، ولا يمكن أن يكون الحفاظ على التنوع مبرراً لقبول أستاذ أقل كفاءة أو استبعاد أستاذ أكثر استحقاقاً. فالجامعة التي تضم أفضل الكفاءات اللبنانية من مختلف البيئات والمناطق والطوائف هي التي تجسد لبنان بأجمل صوره، لا الجامعة التي تتحول إلى جدول حسابي تتساوى فيه الأرقام ولو لم تتساوَ فيه الكفاءات.
ولهذا نقول للرابطة: أحسنتم بإعلان الإضراب دفاعاً عن أساتذة طال ظلمهم، وأحسنتم بالمطالبة بإقرار ملف التفرغ وبربطه بالحاجة والكفاءة والشفافية، ولكن أكملوا هذا الموقف إلى نهايته، وطالبوا بأن تُحدد حاجات كل كلية وكل اختصاص وفق معايير أكاديمية معلنة، وأن تُدرس ملفات المرشحين وفق قواعد واحدة وشفافة، وأن يعرف كل أستاذ لماذا قُبل ملفه أو رُفض، وأن يكون القرار قابلاً للدفاع عنه أكاديمياً وقانونياً أمام الجامعة والقضاء والرأي العام.
أما التوازن الذي تحتاج إليه الجامعة حقاً، فهو التوازن بين حاجات كلياتها وأعداد أساتذتها، وبين أعداد الطلاب والطاقم التعليمي، وبين الاختصاصات المطلوبة والكفاءات المتوافرة، وبين التعليم والبحث العلمي، وبين حقوق الأساتذة وقدرة المؤسسة على الاستمرار والتطور. هذا هو التوازن الذي يستحق أن تخوض الرابطة معركتها من أجله.
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً عندما سمح للطائفية بأن تدخل إلى أدق تفاصيل الدولة، فلا نجعل الجامعة آخر ضحاياها، ولا نقنع أنفسنا بأن حماية الوطن تتحقق بتوزيع أساتذته حصصاً. فالوطن لا يحميه أن يكون لكل طائفة أستاذ، بل أن يكون لكل طالب أفضل أستاذ؛ ولا تحمى الجامعة بالتساوي العددي إذا جاء هذا التساوي على حساب الجودة، وإنما تحمى بأن يعرف كل لبناني أن جامعته الوطنية تحكم عليه بعلمه لا باسمه، وبإنتاجه لا بانتمائه، وبحاجة الجامعة إليه لا بحاجة أي طرف سياسي إلى رقم إضافي في ميزان المحاصصة.
نريد الأستاذ المسيحي الكفوء والمسلم الكفوء والدرزي الكفوء، ونريد كل لبناني يستحق أن يقف أمام طلاب الجامعة اللبنانية أياً كان اسمه ومنطقته وطائفته، على أن يبقى السؤال واحداً لا غير: هل تحتاج الجامعة إلى اختصاصه، وهل يستحق أكاديمياً؟ فإذا كان الجواب نعم، فلا ينبغي لطائفته أن تكون سبباً في حرمانه، وإذا كان الجواب لا، فلا ينبغي لطائفته أيضاً أن تكون جواز عبوره إلى التفرغ.
لذلك، نقف اليوم مع الرابطة في إضرابها، ونقف معها في الدفاع عن الأساتذة الذين طال انتظارهم، ولكننا نطالبها، بالمقدار نفسه من الحرص على دورها، بأن تقف في الصف الأول دفاعاً عن مبدأ أكبر من هذا الملف نفسه: ألا تتحول الجامعة اللبنانية إلى نسخة مصغرة عن نظام المحاصصة الذي أنهك الدولة.
فالجامعة اللبنانية ليست ملكاً لطوائف لبنان كي تتقاسمها، بل هي ملك للبنانيين جميعاً، والعيش المشترك لا يعني أن نقتسم الجامعة، بل أن نبنيها معاً بأفضل ما لدى هذا الوطن من عقول وكفاءات.
ومن الجامعة تحديداً يجب أن يبدأ التصحيح، لأنها إن لم تستطع أن تكون المساحة التي ينتصر فيها العلم على المحاصصة، والكفاءة على الانتماء، والقانون على العرف السياسي، فأين نبدأ ببناء الدولة؟
نعم لإضراب الرابطة دفاعاً عن المظلومين، ونعم لإقرار ملف التفرغ وفق الحاجة والكفاءة والشفافية، ولكن لا للمحاصصة، أياً كان المستفيد منها؛ لأن الجامعة التي تبدأ بسؤال الأستاذ عن طائفته قبل أن تسأل عن علمه، تخسر شيئاً من معنى الجامعة، والدولة التي تضحي بالكفاءة لإرضاء ميزان طائفي قد تحقق توازناً في الأرقام، لكنها تصنع اختلالاً أخطر بكثير في العلم والمؤسسات ومستقبل الأجيال.
*أستاذة في ملاك كلية العلوم – الجامعة اللبنانية
رئيسة مختبر MCEMA – LEADDER
منسقة ماستر 2 بحث في الكيمياء الفيزيائية والمواد والتحفيز
Prof., HDR – Université de Haute Alsace, France
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate