الأحد , يناير 11 2026

ماذا لو غابت الجامعة اللبنانية عن مدينتها؟

الجامعة-اللبنانية-ودور-الطلاب

 

قراءة نقدية في قرار نقل الفرع الاول إلى الحدث وتخلّي المسؤولين عن العاصمة وجامعتها الوطنية

بوابة التربية- كتبت د. زبيدة الطيارة*:

شهدت الجامعة اللبنانية في السنوات الأخيرة مناقشات حول قرار رئاسة الجامعة نقل الفرع الأول من بيروت إلى الحدث، بحجّة إخلاء الأبنية المستأجرة وخفض النفقات التشغيلية! ولكن لهذا القرار ثغرات تتمثل بعدم اجراء دراسة أثر شامل، وانه لم يُقدّم بدائل داخل بيروت، إضافة الى  حصر المشكلة في جانب مالي ضيق، حيث لم تُبحث إمكانيات التعاون البلدي أو الدولي، وبذلك، يظهر أنّ القرار إداري الطابع لكنه غير شامل من حيث النظر إلى المصلحة الوطنية.

يمثّل الفرع الأول للجامعة اللبنانية في بيروت أحد أبرز معالم الحضور الأكاديمي الرسمي في العاصمة فهو يجمع طلابًا من مختلف الطبقات الاجتماعية والمناطق، وأسهم في تكوين بيئة منفتحة ومتوازنة وفي ترسيخ دور بيروت كمدينة للمعرفة والحياة الجامعية المتنوعة، من هنا فان قرار نقله إلى الحدث يشكّل تحوّلًا أساسيًا في علاقة الجامعة بالمدينة وما لذلك من انعكاسا على مفهوم العدالة التعليمية وفي طبيعة وظيفة العاصمة كمركز وطني للتعليم العالي.

إنه رغم وجاهة هذه الاعتبارات من منظور إداري (الإيجارات كمبرّر إداري وكلفة صيانة الأبنية…) إلا أنّها لا تأخذ في الحسبان الأبعاد التالية: الدور الرمزي لبيروت كعاصمة تعليمية، تنوّع الطلاب القادمين من مختلف المناطق إلى قلب العاصمة الارتباط التاريخي والاجتماعي للفرع الأول بالمدينة ، وبذلك، يطرح القرار إشكالية كبرى تتعلق بكيفية موازنة الاعتبارات المالية مع مسؤوليات الجامعة الوطنية؟

ان وجود الجامعة اللبنانية في بيروت ليس مجرد توزيع جغرافي للكليات، بل عنصر من عناصر مكانة العاصمة. ان ما يطرح يشكل خسارة العاصمة لدورها الأكاديمي المركزي وبالتالي فإنّ نقل الفرع الاول إلى الحدث يعني: تقليص حضور الدولة في قلب المدينة واضعاف الوظيفة المعرفية لبيروت لصالح وظيفة إدارية أو تجارية بحتة، إضافة الى الأثر الاجتماعي من تراجع التنوع وفقدان التفاعل اليومي بين الجامعة وفضاء المدينة، اذ لطالما شكلت الجامعة اللبنانية مصدرًا للنشاط الثقافي من خلال: الندوات والحوارات، الحلقات الفكرية، المجموعات الطلابية، التظاهرات الثقافية والفنية ، فانتقال هذه الأنشطة إلى خارج بيروت سيقلل من حيوية الحياة الثقافية في العاصمة. ان نقل الفرع الاول إلى الحدث يعني عمليًا إلغاء أقرب نقطة تعليم رسمي في العاصمة وتقليل الحضور الرسمي للدولة في مدينة أصبحت تعاني أصلًا من تراجع الخدمات الأساسية.

إنّ تصور بيروت بلا الجامعة اللبنانية يشبه تصور باريس بلا السوربون أو القاهرة بلا جامعة القاهرة، ليس لأن الجامعة اللبنانية مماثلة لهذه المؤسسات من حيث الموارد، بل لأنّها بالنسبة إلى بيروت تمثّل الروح التي تمنح المدينة هويتها الأكاديمية
فالجامعة ليست مبنى فقط، بل ذاكرة وحراك ونبض شبابي وتوازن اجتماعي وضمانة للعدالة التعليمية.

ان غياب الجامعة اللبنانية سيؤدي إلى تقويض الوظيفة الوطنية للعاصمة، بحيث تتحول المدينة إلى فضاء تعليمي للنخب القادرة على تحمّل كلفة التعليم الخاص(الجامعات الخاصة ) ، ما يعمّق الفوارق الطبقية ويُضعف تكافؤ الفرص. إنّ تعزيز موقع الجامعة في العاصمة ليس خيارًا إداريًا فحسب، بل ضرورة وطنية للحفاظ على الدور الحضري والثقافي لبيروت وضمان استمرارية التعليم الرسمي كرافعة للعدالة الاجتماعية. ان اللامركزية الأكاديمية المطلوبة لا تعني إخلاء العاصمة، بل توزيعاً عادلاً للفروع مع الحفاظ على مركز معرفي أساسي ،لان غياب المؤسسة الوطنية الأضخم عن العاصمة قد يُفهم كخطوة نحو “تفريغ بيروت” من مؤسساتها، ما يهدد مركزيتها ووحدتها الرمزية .أنّ قرار نقل الفرع الأول من بيروت إلى الحدث وان كان يبدو انه قرار إداري صحيح من ناحية تقليص النفقات، لكنه “قرار قاصر” من حيث رؤيته للبعد الوطني والحضري للجامعة اللبنانية.

ان وجود الجامعة اللبنانية في قلب العاصمة ليس “تفصيلاً عقارياً” ولا مجرد “مبنى يمكن نقله”، بل هو مسألة هوية وطنية، عدالة اجتماعية ، توازن تنموي وأمن معرفي وتعليمي إنّ الجامعة اللبنانية في بيروت ليست فقط مؤسسة أكاديمية، بل جزء من روح المدينة. إنّ بقاء فروع للجامعة في العاصمة ليس امتيازًا جغرافيًا، بل ضرورة تربوية وثقافية واقتصادية لانّ أي سياسة تعليمية رشيدة يجب أن تراعي البعد الرمزي والحضري لوجود الجامعة الوطنية في قلب المدينة، وأن تعتمد على حلول مبتكرة توازن بين  “الإمكانات المالية المحدودة” و”المسؤوليات الوطنية الكبرى”!

لا يخفى على أحد ان هناك العديد من الحلول العملية (اذا صفت النوايا… ) لإبقاء الفرع الأول الجامعة اللبنانية في بيروت على سبيل المثال : اعتماد نموذج الأبنية المشتركة (يمكن للجامعة أن تشترك مع مؤسسات حكومية أو بلدية في استثمار مبانٍ مهملة أو غير مستغلة بالكامل، مثل: مبانٍ تابعة للبلدية، مراكز ثقافية، مبانٍ حكومية متروكة وإعادة تأهيل هذه الأبنية أقل كلفة بكثير من الإيجار السنوي)، اعتماد شراكات مع القطاع الخاص بشروط واضحة عبر استثمار محدود غير أكاديمي (كافتيريا، مواقف، خدمات) ، أوإعادة توزيع الوظائف الأكاديمية بين بيروت والحدث، التعاون مع الجهات الدولية الداعمة للتعليم مثل: اليونسكو والاتحاد الأوروبي، أوتخصيص أراضٍ بلدية لإنشاء مجمع جامعي صغير داخل العاصمة لتشييد مبنى جامعي مستدام (Green Campus)  بتمويل مشترك للدولة، الجهات الدولية، البلديات، القطاع الخاص .ان بعض الأبنية التراثية يمكن تأهيلها بشكل آمن ومتين لتتحول إلى مرافق جامعية منخفضة الكلفة، ما يحافظ على التراث ويضعه في خدمة المعرفة، أو ايضا تحويل بعض المراكز الحكومية غير المستغلة إلى فروع جامعية….الخ

 

أمام المقاربات التي تُبرز أهمية وجود الجامعة اللبنانية في العاصمة، وأمام القراءة النقدية لقرار نقل الفرع  الأول من بيروت إلى الحدث، ومع ما يحمله غياب الجامعة الوطنية عن مدينتها من تداعيات معرفية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فإن السؤال لم يعد أكاديمياً ولا نظرياً، بل مساءلة وحساب إلى زعماء ووجهاء ونواب ووزراء ومسؤولين والغيورين على بيروت : هل تقبلون بتحويل العاصمة، للمرة الأولى منذ تأسيس الدولة، إلى مدينة بلا جامعة وطنية؟ وهل أنتم مستعدون لتحمّل مسؤولية تفريغ بيروت من مؤسستها العامة الأهم ؟ هل أنتم مستعدّون لأن تُسجَّل في عهدكم سابقة تفريغ العاصمة من جامعتها الوطنية؟

هل ستسمحون، وأنتم المسؤولون عن بيروت، بأن تُنتزع الجامعة الوطنية من قلب مدينتكم وأن تُسلَّم العاصمة إلى فراغ معرفي لم تعرفه منذ تأسيس الجمهورية؟  وهل تقبلون بأن يسجّل التاريخ عليكم أنكم سمحتم بتجفيف قلب العاصمة من مؤسستها الأكاديمية الوحيدة التي بقيت لأبنائها؟

هذا ليس بياناً ولا موقفاً عابراً، بل صرخة واضحة في وجه كل من يتحمّل مسؤولية سياسية أو اجتماعية أو تاريخية تجاه العاصمة فبيروت ليست مساحة فارغة تُعاد هندستها وفق مزاج القوى، بيروت مدينة حيّة، ووجود الجامعة اللبنانية في قلبها ليس خياراً… بل حقّ وضرورة وواجب وطني.

*أستاذة متقاعدة من الجامعة اللبنانية

 

 

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

الاساتذة المستعان بهم في التعليم الثانوي طالبوا بتعديل اجر الساعة

    بوابة التربية: طالبت لجنة  الاساتذة المستعان بهم في التعليم الثانوي وزيرة التربية والتعليم …