الإثنين , فبراير 9 2026

عندما تُعلَّق قرارات مجلس الوزراء: من يجرؤ على تعطيل السلطة التنفيذية في التعليم العالي

 

بوابة التربية- كتب د. هادي الزين:

ليس الخطر في الخطأ الإداري، بل في تحوّله إلى قاعدة. وليس في الاجتهاد، بل في انقلابه على النصّ الصريح. ففي ملفّات التعليم العالي في لبنان، لم تعد المشكلة تقنية أو أكاديمية، بل باتت مسألة سلطة: مَن يقرّر؟ ومن يملك حق التعطيل؟

في دولة يُفترض أن يحكمها مبدأ تدرّج السلطات واحترام القرارات التنفيذية، يصبح من المقلق – بل من الخطير – أن نشهد تعطيلًا عمليًا لقرارات صادرة عن مجلس الوزراء، الجهة الدستورية العليا في السلطة التنفيذية، عبر ممارسات تُنسب إلى هيئات أنشئت أصلًا بدور استشاري لا أكثر.

من الاستشارة إلى التقرير… انقلاب صامت

بموجب القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، فإن مجلس التعليم العالي هيئة استشارية، مهمته إبداء الرأي الفني والأكاديمي، دون أن تكون له أي سلطة تقريرية أو إنشائية. أما القرار النهائي في منح أو رفض التراخيص الجامعية، بما في ذلك إنشاء الفروع والكليات الجديدة، البرامج التعليمية، أو أي ملفات مرتبطة بالسياسات العامة للتعليم العالي، فيعود حصريًا إلى مجلس الوزراء ضمن سلطته الاستنسابية.

إلا أن الممارسة القائمة اليوم توحي بعكس ذلك. إذ بات يُتعامل مع توصيات صادرة عن مجلس التعليم العالي – بعضها لاحق زمنيًا، وبعضها غير مبلّغ، وبعضها عام وغير مخصّص – على أنها قيود ملزمة تعلو على قرارات مجلس الوزراء، أو تُفرغها من مضمونها، أو تُجمّد تنفيذها عمليًا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: تحويل هيئة استشارية إلى سلطة تقريرية بحكم الأمر الواقع، في مخالفة صريحة لمبدأ تدرّج السلطات الإدارية، ولمبدأ تخصيص الصلاحيات، ولمفهوم الدولة القانونية.

إدارة غامضة وصلاحيات بلا صفة

الأخطر من ذلك، أن الإدارة المعنية بملف التعليم العالي تُدار منذ سنوات بطريقة تثير القلق، حيث بات شخص وآخرين معدودين يديرون دفة النقاش داخل مجلس التعليم العالي وفق هواهم، ويحوّلون التوصيات الاستشارية إلى قرارات فعلية.

في الوقت نفسه، يغيب الوزير عن الفصل الفعلي في مدى قانونية التوصيات المطروحة لكل بند على جدول أعمال مجلس التعليم العالي، سواء كانت هذه التوصيات تتعلق بتنفيذ قرارات صادرة عن مجلس الوزراء، أو ملفات خاصة بمؤسسات تعليمية، أو إنشاء كليات وفروع جديدة، أو برامج تعليمية، أو حتى سياسات واستراتيجيات عامة للتعليم العالي. هذا الغياب يترك الباب مفتوحًا لتحويل توصيات استشارية إلى قرارات فعلية دون رقابة أو تدقيق فعلي من الجهة التنفيذية العليا. وقد يكون سبب هذا الغياب محدودية خبرته في الوزارة التي تولّاها لفترة قصيرة، مما يجعل من الصعب عليه التدقيق الكامل في كل بند من جدول أعمال المجلس، ويتيح بذلك للذين يديرون دفة النقاش تحويل التوصيات الاستشارية إلى قرارات فعلية وفق هواهم. وكل ذلك على مرأى  العضو المنتدب عن مجلس شورى الدولة الذي يُفترض أن يكون حاميًا للقانون، ما يتيح لهذا الوضع الانزلاق إلى تحكم فعلي من شخص واحد أو أكثر في السياسات التعليمية وملفات التراخيص الجامعية خارج المعايير التى فرضها القانون ٢٨٥.

تضارب مصالح وصمت مريب

يزيد الطين بلّة أن مجلس التعليم العالي يضمّ في عضويته ممثلين عن جامعات خاصة، بعضها تجاري بامتياز، ما يفرض – نظريًا – أعلى درجات الحيطة والشفافية عند مناقشة ملفات التراخيص والسياسات العامة.

لكن ما يُسجَّل عمليًا هو نقاشات مغلقة، وتوصيات تفتقر إلى التعليل القانوني الواضح ، في ظل صمت مريب من أعضاء اخرين يفترض أنهم حماة المشروعية. فهل يُعقل أن يُترك تفسير القانون وتوجيه المسار الإداري لشخص واحد أو مجموعة معدودة، فيما يلوذ باقي الأعضاء بالصمت؟

الوزيرة بين حسن النيّة وواقع المنظومة

لا يمكن إنكار أن وزيرة التربية الحالية تتمتع بصورة محترمة وحسن نية واضح، إلا أن حسن النيّة وحده لا يكفي في مواجهة منظومة إدارية متجذّرة، تُدار بدهاليز معقّدة، وتفرض أعرافًا مخالفة للنصوص.

فالخطر لا يكمن في شخص الوزير، بل في الآلية التي تُدار بها الملفات، والتي تضع السلطة السياسية أمام أمر واقع إداري مُصاغ سلفًا، يُفرغ القرار السياسي من مضمونه ويحوّله إلى إجراء معلّق.

الخلاصة: خلل بنيوي لا اجتهاد إداري

ما نشهده اليوم ليس خلافًا تقنيًا، ولا تباينًا مشروعًا في الرأي، بل مسارًا خطيرًا يؤدّي إلى:

تعطيل قرارات مجلس الوزراء، قلب هرمية السلطة التنفيذية، تحويل المجلس الاستشاري إلى مقرّر، في إدارة قطاع حيوي كالتعليم العالي خارج الضوابط القانونية، بما في ذلك التراخيص الجامعية والسياسات التعليمية العامة.

إن تصويب هذا المسار لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقّى من هيبة القرار العام، ومنع تحويل المؤسسات إلى منصّات نفوذ تُدار بالأهواء لا بالقانون.

التعليم العالي ليس ساحة اجتهادات شخصية، ولا ملفًا يُدار بالأعراف، بل شأن عام تحكمه نصوص واضحة. وأي مساس بهذه النصوص هو مساس بالدولة نفسها .

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

طرابلسي تعليقاً على قرار التعاقد بالتفرغ مع 1690 استاذ في اللبنانية:  fair enough

  بوابة التربية: علق مقرر لجنة التربية النيابية الدكتور إدكار طرابلسي، على قرار مجلس الوزراء …