
بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:
منذ العام 2019، يمرّ لبنان بأزمة مالية ونقدية غير مسبوقة أدّت إلى تراجع حاد في القيمة الفعلية لرواتب القطاع العام، وفي مقدّمته الأساتذة في التعليم الرسمي والعسكريون. وقد انعكس هذا التدهور على الاستقرار المعيشي والاجتماعي، وأثّر مباشرة في انتظام المؤسسات التربوية والعسكرية وأدائها.
أمام هذا الواقع، برز اقتراح منح ستة رواتب إضافية سنوياً لموظفي القطاع العام بكلفة تقديرية تقارب 800 مليون دولار. ورغم أهمية هذه الخطوة في التخفيف من حدّة الأزمة، إلا أنها تبقى معالجة جزئية لا تعيد الرواتب إلى قيمتها الشرائية الفعلية السابقة، ولا تؤسس بمفردها لاستقرار طويل الأمد ما لم تُقترن بإصلاح بنيوي يضمن تثبيت الراتب الأساسي على قاعدة عادلة ومستدامة.
أولاً: التحركات المطلبية ودينامية صناعة القرار
تؤكد أدبيات الاقتصاد السياسي أن السياسات العامة في الدول الهشّة تتأثر بميزان القوى الاجتماعي وقدرة الفئات المتضررة على تنظيم مطالبها. وقد شكّلت تحركات العسكريين، ولا سيما المتقاعدين منهم، وتحركات روابط الأساتذة وموظفي القطاع العام، عاملاً ضاغطاً أعاد ملف الرواتب إلى صدارة الأولويات الوطنية.
لقد ربطت هذه التحركات بين كرامة الوظيفة العامة واستمرارية الدولة، وأظهرت أن تآكل الأجور لا يمسّ الأفراد فحسب، بل يهدد انتظام المدرسة الرسمية واستقرار المؤسسات الأمنية. غير أنّ المطالبة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المنح الظرفية، بل أن تتجه نحو استعادة القيمة الفعلية للرواتب وتثبيت أساسها بشكل يضمن عدم تآكلها مستقبلاً.
ثانياً: الاستقرار المؤسسي بين البعد المعيشي والبعد الوطني
يشكّل الأساتذة والعسكريون ركيزتين أساسيتين في بنية الدولة. فاضطراب العام الدراسي يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويعمّق الفوارق الاجتماعية، فيما ينعكس اهتزاز الاستقرار المعيشي للعسكريين على المعنويات داخل مؤسسة أمنية حساسة.
وعليه، فإن الرواتب الستة تمثل خطوة ضرورية لتخفيف الضغط الاجتماعي، لكنها لا تكفي لتحقيق استقرار مؤسسي فعلي ما لم تُترجم إلى تصحيح شامل يعيد للراتب الأساسي قيمته الشرائية الحقيقية، ويثبّته ضمن هيكل أجور واضح ومستدام
ثالثاً: العدالة الضريبية وسؤال من يتحمّل الكلفة
يرتبط قبول أي زيادة في الإنفاق العام بمدى عدالة تمويلها. فإذا تم اللجوء إلى ضرائب غير مباشرة، فإن العبء قد يقع على الفئات نفسها التي يُراد دعمها، ما يقلّص الأثر الصافي للزيادة. أما إذا ارتبط التمويل بإصلاح ضريبي تصاعدي فعلي ومكافحة جدية للتهرب، فقد يشكل ذلك مدخلاً نحو إعادة توزيع أكثر عدالة.
إن المطالبة بالرواتب الستة ينبغي أن تترافق مع مطالبة واضحة بآلية تمويل عادلة، لأن العدالة في التمويل شرط أساسي للحفاظ على القيمة الحقيقية لأي تصحيح للأجور.
رابعاً: المخاطر التضخمية واستدامة القرار
في اقتصاد يعاني هشاشة في سعر الصرف، فإن أي تمويل غير مغطى بإيرادات حقيقية قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة. وفي هذه الحالة، قد تتحول الرواتب الستة إلى مكسب اسمي مؤقت، يعاد امتصاصه عبر ارتفاع الأسعار.
لذلك، فإن الهدف الاستراتيجي يجب أن يكون بناء مسار تصحيحي مستدام يعيد الاستقرار النقدي ويحمي القدرة الشرائية، لا الاكتفاء بمعالجات ظرفية قد تُفرغ من مضمونها خلال فترة قصيرة.
خامساً: تثبيت الراتب الأساسي كضمانة قانونية واستعادة للقيمة الفعلية
إن أي تصحيح للأجور يبقى ناقصاً إذا اقتصر على منح أو مساعدات ظرفية خارج إطار الراتب الأساسي. فالأجر، من الناحية القانونية والإدارية، هو عنصر بنيوي في العلاقة الوظيفية، تُبنى عليه سائر الحقوق من تعويضات وبدلات ومعاشات تقاعدية.
إذا بقيت الرواتب الستة في إطار مساعدة مؤقتة، فإنها لا تؤسس لاستقرار قانوني طويل الأمد. فالاستقرار الوظيفي يفترض إدماج أي تصحيح ضمن الراتب الأساسي بموجب نص قانوني واضح يعيد تحديد سُلّم الرواتب بصورة رسمية، ويمنع تجزئة الأجر إلى عناصر مؤقتة قابلة للإلغاء.
ومن الناحية الاقتصادية، من الضروري التمييز بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي.
فالأجر الاسمي هو الرقم المدفوع شهرياً، أما الأجر الحقيقي فهو قدرته الفعلية على شراء السلع والخدمات. وقد يرتفع الأجر الاسمي من دون تحسّن فعلي في مستوى المعيشة إذا لم يُراعَ التضخم.
لذلك، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون زيادة رقمية ظرفية، بل استعادة الأجر الحقيقي إلى مستواه السابق، عبر تثبيت الراتب الأساسي وربطه بآلية تصحيح دورية تعكس كلفة المعيشة وتحمي القوة الشرائية.
سادساً: دور الروابط في المرحلة المقبلة
إن دور الروابط المهنية لا يقتصر على الضغط المطلبي، بل يمتد إلى المشاركة في صياغة رؤية إصلاحية أشمل. فالمسألة اليوم ليست فقط في الحصول على ستة رواتب إضافية، بل في ضمان تمويل عادل، وتثبيت قانوني للراتب الأساسي، وحماية مستدامة للقوة الشرائية.
إن تحرّك الروابط في هذا الاتجاه يسهم في تحويل المطالبة المعيشية إلى مسار إصلاحي أوسع، يعزز الاستقرار المؤسسي ويحفظ حقوق الموظفين على المدى الطويل.
خاتمة
تمثل الرواتب الستة خطوة ضرورية للتخفيف من الضغوط المعيشية التي يعاني منها الأساتذة وموظفو القطاع العام والعسكريون، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تُقترن بإصلاح يعيد الرواتب إلى قيمتها الشرائية الفعلية ويثبّت الراتب الأساسي ضمن إطار قانوني مستدام.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقرار زيادة ظرفية، بل في بناء سياسة مالية عادلة ومستقرة تضمن عدم تآكل الأجور مستقبلاً. ومن هنا، فإن أهمية تحرّك الروابط تكمن في الدفع نحو إصلاح متكامل يعيد التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، ويحمي المؤسسات التربوية والعسكرية في آنٍ معاً.
*باحث وأستاذ جامعي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate