
بوابة التربية- بقلم: د. عدنان يعقوب*:
يشكل ملف الأملاك البحرية في لبنان نموذجاً مكثفاً لاختلال إدارة الأصول العامة في الدول ذات المؤسسات الضعيفة. فبدلاً من أن يُدار الساحل باعتباره مورداً عاماً نادراً يخضع لمعايير الكفاءة والعدالة، تحوّل في أجزاء واسعة منه إلى مصدر ريع خاص نتيجة فجوة التسعير، ضعف التحصيل، والتسويات السياسية المتكررة.
في أدبيات الاقتصاد العام، تُدار الأصول العامة بهدف تعظيم المنفعة الاجتماعية وضمان توزيع عادل للريع (Stiglitz & Rosengard, 2015). وعندما تُسعَّر هذه الأصول بأقل من قيمتها الاقتصادية الفعلية، ينتج ما يُعرف بـ”الاستحواذ الريعي” (Rent Capture)، أي تحويل فرق القيمة من المجال العام إلى أرباح خاصة (Stiglitz, 2015).
تنطبق هذه المقاربة بشكل واضح على الأملاك البحرية اللبنانية.
أولاً: الأملاك البحرية كأصل عام نادر
يبلغ طول الساحل اللبناني نحو 220 كيلومتراً. وبالنظر إلى محدودية المساحة الساحلية وارتفاع القيمة العقارية المرتبطة بها، يُعدّ الساحل مورداً اقتصادياً عالي الندرة. في مثل هذه الحالات، تؤكد الأدبيات أن غياب التسعير القائم على القيمة السوقية يؤدي إلى تخصيص غير كفوء للموارد وإلى خسارة إيرادات عامة (World Bank, 2018).
تشير تقديرات بيئية ورقابية متداولة إلى أن ما بين 30% و45% من الساحل اللبناني خضع لإشغال مباشر أو تعديل في طبيعته الجغرافية. وفي مناطق مثل جونية وكسروان، تتقلص إمكانات الوصول العام إلى البحر في مقاطع واسعة لصالح مراسٍ خاصة ومنتجعات مسوّرة. وفي بيروت، حيث القيمة العقارية البحرية من الأعلى في المنطقة، تراكمت مشاريع ردم وتسويات قانونية متعاقبة أثارت نقاشاً عاماً واسعاً حول حدود المنفعة الخاصة على حساب المنفعة العامة.
ثانياً: تقدير فجوة العائد المالي
انطلاقاً من مقاربة حسابية افتراضية ومحافظة:
220,000 متر طول الساحل
35% نسبة إشغال أو تعديل
متوسط عمق إشغال 80 متراً
ينتج عن ذلك مساحة تقديرية تقارب 6 ملايين متر مربع.
إذا افترضنا بدل إشغال سنوي عادل يتراوح بين 25 و50 دولاراً للمتر المربع، فإن العائد السنوي المحتمل يتراوح بين نحو 150 و300 مليون دولار.
هذه الأرقام تبقى تقديرية، لكنها تكشف فجوة واضحة بين العائد الممكن نظرياً وبين ما يتم تحصيله فعلياً. وفي ظل أزمة مالية عميقة وانهيار في الإيرادات العامة، يصبح تجاهل هذا الفرق إشكالياً من منظور إدارة المالية العامة.
وفق أدبيات الشفافية المالية، فإن ضعف إدارة الأصول العامة يُعد أحد أبرز مصادر الخسارة غير الضريبية في الدول ذات الحوكمة الضعيفة (IMF, 2019).
ثالثاً: تشوّه المنافسة والعدالة التوزيعية
لا تقتصر المسألة على الإيرادات. فالإشغال غير المتوازن للأملاك البحرية يؤدي إلى تشوّهات في بنية السوق، عبر خلق امتيازات شبه احتكارية ورفع حواجز الدخول أمام فاعلين اقتصاديين جدد. تؤكد نظريات اقتصاد القطاع العام أن الامتيازات غير التنافسية تضعف الكفاءة وتكرّس عدم المساواة (Stiglitz & Rosengard, 2015).
إضافة إلى ذلك، يؤدي تقييد الوصول العام إلى الشاطئ إلى خسارة رفاهية اجتماعية يصعب قياسها مالياً، لكنها تمسّ مبدأ إدارة الموارد المشتركة الذي تؤكد عليه دراسات الحوكمة المؤسسية (Ostrom, 1990).
رابعاً: الكلفة البيئية المؤجلة
الردم غير المنظم وتعديل الخط الساحلي يغيّران التيارات البحرية ويزيدان من مخاطر التآكل الساحلي. وتشير تقارير إدارة النظم الساحلية إلى أن الكلفة البيئية المؤجلة لهذه الممارسات غالباً ما تتحول إلى أعباء مالية عامة في مراحل لاحقة (UNEP, 2021).
بالتالي، فإن الإشكالية ليست مالية فحسب، بل تمتد إلى استدامة النظام البيئي الساحلي.
خامساً: بين الشعبوية والإصلاح المؤسسي
يُطرح الملف أحياناً في سياق سياسي انتخابي، ما يؤدي إلى اختزاله بين خطاب تعبوي وخطاب دفاعي. إلا أن المقاربة الاقتصادية البحتة تشير إلى أن إصلاح إدارة الأملاك البحرية يندرج ضمن إصلاحات عالية العائد نسبياً ومنخفضة الكلفة الإدارية، مقارنة بإصلاحات ضريبية أو بنيوية أكثر تعقيداً.
الإصلاح المؤسسي المطلوب يتضمن:
- مسحاً وطنياً شفافاً باستخدام نظم معلومات جغرافية ونشر البيانات.
- اعتماد آلية تسعير مرتبطة بالقيمة السوقية الفعلية
- تعزيز التحصيل غير الانتقائي للمستحقات.
- إزالة المخالفات غير القابلة للتسوية القانونية.
- تخصيص جزء من الإيرادات لحماية البيئة البحرية وتطوير شواطئ عامة.
هذه الخطوات لا تمثل توجهاًp راديكالياً، بل تتماشى مع معايير إدارة الأصول العامة المعتمدة دولياً (World Bank, 2018).
من هنا نرى ان ملف الأملاك البحرية يتجاوز مسألة إشغالات متفرقة. إنه اختبار لقدرة الدولة على إدارة مواردها النادرة وفق مبادئ الكفاءة والعدالة والاستدامة.
في سياق أزمة مالية عميقة، يصبح التغاضي عن فجوة الريع البحري خياراً سياسياً ذا كلفة اقتصادية مرتفعة. أما الإصلاح، فليس مجرد استجابة ظرفية، بل خطوة ضرورية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمال العام.
*باحث وأستاذ جامعي
المراجع:
International Monetary Fund. (2019). Fiscal transparency handbook. IMF.
Ostrom, E. (1990). Governing the commons: The evolution of institutions for collective action. Cambridge University Press
Stiglitz, J. E. (2015). The great divide: Unequal societies and what we can do about them. W.W. Norton.
Stiglitz, J. E., & Rosengard, J. K. (2015). Economics of the public sector (4th ed.). W.W. Norton.
United Nations Environment Programme (UNEP). (2021). Coastal ecosystem management and climate resilience. UNEP.
World Bank. (2018). Managing public assets: Policy and practice. World Bank Group.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate