
بوابة التربية- كتب الأستاذ ربيع بزي*:
لا تبلبلوا الطلاب… بل لا تستخفوا بوجعهم
في كل أزمة يمر بها لبنان، يخرج من يطالب الناس بالصمت، وكأن مجرد طرح الأسئلة أو التعبير عن المخاوف أصبح جريمة. واليوم، يُقال للطلاب والأهالي: “لا تبلبلوا الطلاب بالحديث المبكر عن تأجيل الامتحانات”.
لكن السؤال الحقيقي هو: من الذي يبلبل الطلاب؟ من ينقل معاناتهم، أم من يتجاهل واقعهم؟
المفارقة أن بعض من يرفع اليوم شعار قدسية الامتحانات وعدم المساس بها، لم يجد حرجاً في مراحل سابقة في تعطيل العملية التعليمية ومقاطعة الامتحانات ورفض التصحيح، حتى وصلت الأمور إلى البحث عن حلول استثنائية لحماية مستقبل الطلاب. يومها لم يكن أحد يتحدث عن البلبلة أو عن قدسية الشهادات، أما اليوم فأصبح مجرد النقاش في مصير الامتحانات جريمة تربوية.
ثم من قال إن رأياً واحداً يمثل جميع أساتذة القطاع الخاص؟ ومن أعطى لأي أحد حق التحدث باسم أساتذة الجنوب والضاحية والبقاع؟
قبل أن تتحدثوا باسمهم، تعالوا وانظروا إلى الواقع على الأرض. تعالوا إلى المناطق التي تعيش الخوف والنزوح وعدم الاستقرار. تحدثوا مع الطلاب الذين يدرسون بين انقطاع الكهرباء والإنترنت، ومع الأساتذة الذين لا يعرفون أين ستكون مدارسهم غداً، ومع الأهالي الذين أصبح همهم الأول حماية عائلاتهم لا مواعيد الامتحانات.
لا يمكن لمن يعيش في مناطق آمنة، وتعمل مدارسه في ظروف مستقرة، أن ينظّر على من يعيش تحت التهديد اليومي. لا يمكن أن تفرضوا على الجميع واقعكم، وكأن كل لبنان يعيش الظروف نفسها.
والأكثر غرابة هو الحديث عن تأجيل الامتحانات إلى نهاية تموز إذا ساءت الأوضاع، وكأن المشكلة تنتهي بمجرد توقف الحرب.
أي نهاية تموز هذه؟ وهل يعتقد البعض أن الناس ستعود في اليوم التالي إلى حياتها الطبيعية؟
بعد كل حرب، سيعود الأهالي إلى قرى وبلدات قد يجدونها مدمرة أو متضررة. مدارس كثيرة قد تحتاج إلى إعادة تأهيل، وعائلات ستبحث عن بيوت تؤويها، وطلاب سيعودون ليكتشفوا أن حياتهم لم تعد كما كانت.
وماذا عن الشهداء؟ من سيواسي العائلات التي فقدت أبناءها؟ من سيطلب من أم أو أب أو أخ أو أخت أن ينسوا أحزانهم لأن موعد الامتحانات قد حان؟ في مثل هذه الظروف، قد لا يخلو منزل من شهيد أو جريح أو مفقود أو متضرر بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل المطلوب من الناس أن يدفنوا شهداءهم صباحاً ويجلسوا أبناءهم إلى مقاعد الامتحانات مساءً؟
كفى مزايدات، وكفى استخفافاً بوجع اللبنانيين.
لا أحد يدعو إلى تجهيل الأجيال، ولا أحد يريد إلغاء الامتحانات أو تدمير المستوى التعليمي. لكن الحفاظ على التعليم لا يكون بإنكار الواقع، ولا بفرض صورة مثالية على بلد يعيش واحدة من أصعب مراحله.
الأستاذ الحقيقي لا يعلّم الرياضيات واللغة والعلوم فقط، بل يعلّم طلابه معنى الإنسانية والمواطنة والتضامن واحترام كرامة الإنسان. يعلّمهم أن الوطن ليس حجراً ومباني فقط، بل ناس لهم حقوق ومشاعر وآلام.
لقد خذلت هذه المواقف الطلاب والأهالي والأساتذة الذين كانوا ينتظرون صوتاً يعبّر عن معاناتهم، فإذا بهم يسمعون من يطالبهم بالصمت وعدم “البلبلة”.
ويبدو أن البعض يحتاج إلى مراجعة حقيقية في مفاهيم التربية والتنشئة الوطنية والمواطنة.
فالوطنية ليست في تجاهل معاناة الناس، ولا في مطالبتهم بالتصرف وكأن الحرب مجرد خبر عابر. الوطنية هي أن تقف إلى جانب أهلك وشعبك، وأن تدرك أن كرامة الإنسان وسلامته وحقه في الحياة الكريمة لا تقل قدسية عن أي امتحان أو شهادة.
الطلاب الذين تتحدثون عنهم ليسوا أرقاماً في لوائح رسمية، بل أبناء هذا الوطن. لهم الحق في التعليم، نعم، لكن لهم أيضاً الحق في الأمان، وفي الحداد على أحبائهم، وفي أن تُحترم ظروفهم الإنسانية. ومن لا يرى ذلك، ربما يحتاج إلى دروس في التربية والتنشئة الوطنية والمواطنة أكثر من حاجته إلى إعطاء الدروس للآخرين.
*رئيس الهيئة التأسيسية لنقابة المؤسسات التربوية الخاصة
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate