
بوابة التربية- كتبت د. رنا حطيط*:
ليست الحروب وحدها من تعيد رسم خرائط الدول، بل تعيد أيضًا رسم خرائط الذاكرة. فالمدن الّتي تُهدم يمكن أن تُبنى من جديد، ولكن بصعوبة تحمّل محو الأثر التاريخي الّذي له وقعه، أمّا الطفولة الّتي تُسلب منها لغتها وذاكرتها، فإعادة بنائها أكثر تعقيدًا وأشدّ ألمًا. عنوانٌ صيغ بعناية ليختزل مأساة الإنسان العربي، ويجسّد التحديات الّتي تواجه الطفل العربي في زمن تتقاطع فيه آثار الحروب مع التحوّلات الرقميّة المتسارعة.
إنّه عنوان لا يطرح قضيّة لغويّة فحسب، بل يفتح بابًا واسعًا أمام سؤال حضاري عميق: كيف يمكن للطفل العربي أن يحافظ على هويّته اللغويّة والثقافيّة في عالم أصبحت فيه الحرب واقعًا يوميًا، وأضحت التكنولوجيا شريكًا دائمًا في تشكيل، وعيه وسلوكه ولغته؟
أشلاء الذاكرة… حين تصبح الذاكرة جسدًا ممزقًا
الذاكرة في حقيقتها معنى مجرّد، لا تُرى ولا تُلمس، لكنّني منحتها جسدًا حيًا يمكن أن يتمزق ويتناثر. إنّها استعارة مكنيّة تصور الذاكرة ككائن أصابته الحرب، فلم يعد يحتفظ بوحدته أو تماسكه.
وهنا تتجاوز الصورة حدود البلاغة إلى عمق الواقع؛ إذ إنّ الحروب لا تكتفي بهدم البيوت والمدارس، بل تفتّت الذاكرة الجمعيّة، وتمحو تفاصيل الطفولة، وتسرق من الطفل أسماء الأماكن، ورائحة البيت، وصوت الأم، ودفء المدرسة، وألعاب الحيّ، فتغدو ذاكرته أشلاء متناثرة يصعب جمعها.
فالهويّة لا تُبنى فوق ذاكرة ممزّقة، لأنّ الإنسان حين يفقد ذاكرته، يفقد جزءًا من تعريفه لنفسه ولتاريخه ولمستقبله.
رنين الضاد… اللغة الّتي ترفض الصمت
الرنين في العربية هو الصوت الّذي يستمر صداه بعد انطلاقه، وهو غالبًا ما يقترن بالأجراس أو المعادن النفيسة، ولذلك لم يكن اختيار هذه المفردة اعتباطيًا.
فاللغة العربية هنا ليست وسيلة للتواصل فقط، بل تتحوّل إلى صوت مقاوم، يظل يتردّد رغم ضجيج الحرب، ويظل حاضرًا رغم سطوة اللغات الرقمية العالمية.
إنّ رنين الضاد هو بقاء اللغة حيّة في وجدان الطفل، وهو الصدى الّذي يعيد إليه جذوره كلما حاولت الظروف اقتلاعه منها. فاللغة ليست كلمات تحفظ، وإنّما ذاكرة، وقيم، وانتماء، وصورة للعالم.
هويّة الطّفل العربي… جوهر القضيّة
الطفل ليس مجرد فئة عمريّة، بل هو المشروع المستقبلي للأمة، وهو الحلقة الأكثر هشاشة أمام التحولات الكبرى.
وحين تُذكر الهوية مقرونة بالطفل، فإنّ الخطاب ينتقل مباشرة من مستوى التنظير إلى مستوى المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. فالطفل لا يختار الحرب، ولا يصنع النزوح، ولا يقرّر البيئة الرقميّة الّتي يعيش فيها، لكنّه يتحمّل نتائجها جميعًا.
بين مطرقة الحروب…
يستخدم العنوان أحد أشهر التراكيب البلاغية في العربية: “بين المطرقة والسندان”.
والمطرقة هنا ترمز إلى الحروب. وهي استعارة تمثيليّة بديعة؛ إذ شُبهت الحروب بضربات المطرقة المتتابعة الّتي تغير شكل المعدن بالقوة. وهذا بالضبط ما تفعله الحروب بهويّة الطفل.
فهي تهدم مدرسته، وتشتت أسرته، وتفرض عليه النزوح، وتستبدل أصوات الحروف بأصوات الانفجارات، حتى تصبح لغة الرصاص أعلى من لغة البيان.
إنّ المطرقة ليست مجرد أداة هدم، بل أداة تفرض التحوّل القسري.
وسندان الرقمنة…
أما الصورة الثانية فتأتي أكثر عمقًا. فالرقمنة لم تُشبَّه بالمطرقة، بل بالسندان. والسندان، في معناه الحقيقي، هو الكتلة الحديديّة الصلبة الّتي يضع عليها الحداد المعدن الساخن ليعيد تشكيله بضربات المطرقة. وهنا تتجلى عبقريّة الصورة البلاغيّة. فالرقمنة ليست هي الّتي تضرب الطفل مباشرة، لكنّها البيئة الثابتة الّتي يُعاد تشكيل وعيه فوقها.
إنّها المنصّة الّتي يتعلّم منها، ويلعب فيها، ويتحدّث عبرها، ويكوّن صداقاته، ويستقي منها مفاهيمه وقيمه.
ومن هنا تكمن خطورتها. فالطفل الّذي أنهكته الحرب قد يجد في العالم الرقمي ملاذًا نفسيًا وتعليميًا، لكنّه قد يجد نفسه أيضًا داخل فضاء رقمي تفرض خوارزمياته لغات أخرى، وثقافات أخرى، وقيمًا قد لا تنتمي إلى بيئته الحضاريّة.
ولذلك فالرقمنة تحمل وجهين متقابلين.
فقد تكون جسرًا يربط الطفل بوطنه عبر التعليم الإلكتروني، والمحتوى العربي، والكتب الرقميّة، والتواصل الثقافي.
وقد تتحوّل، في المقابل، إلى بيئة تعيد تشكيل هويّته بعيدًا عن لغته وثقافته إذا غاب الوعي وصناعة المحتوى العربي الجاذب.
بين ضغطين… لا بين خيارين
في البلاغة العربيّة، يُستخدم التعبير “بين المطرقة والسندان” للدلالة على الوقوع بين قوتين ضاغطتين لا يملك الإنسان الإفلات من إحداهما. وهذا هو حال الطفل العربي اليوم. فهو عالق بين واقعٍ تهدمه الحروب، وواقعٍ رقمي يعيد تشكيله.
الأول يمزق ذاكرته، والثاني يعيد كتابة هذه الذاكرة بلغات جديدة ورموز جديدة، وربما بقيَم جديدة أيضًا.
ولذلك فإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب وحدها، ولا في التكنولوجيا وحدها، بل في التقاء الاثنين معًا.
المقابلة البلاغية… من التمزق إلى الأمل
يقوم العنوان كلّه على مقابلة فنية دقيقة بين صورتين:
أشلاء الذاكرة في مقابل رنين الضاد.
مطرقة الحروب في مقابل سندان الرقمنة.
فالطرف الأول يصور التفكّك والضياع، أمّا الطرف الثاني فيوحي بإمكانيّة إعادة البناء إذا أحسنّا توظيف الأدوات.
وهنا تتحوّل البلاغة إلى رسالة تربويّة. فاللغة العربيّة ليست ضحية الحرب، بل يمكن أن تكون وسيلة التعافي منها.
والرقمنة ليست عدوًا للهويّة، بل قد تصبح الحاضنة الجديدة لها إذا امتلكنا الإرادة والمعرفة.
مسؤوليّة المؤسّسات التربوية
إنّ حماية هويّة الطفل العربي لم تعد مسؤوليّة الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، بل أصبحت مشروعًا حضاريًا تشارك فيه الجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات الثقافية، ووسائل الإعلام، ومنصات التكنولوجيا.
فالمعركة الحقيقيّة لم تعد على حدود الجغرافيا فقط، بل على حدود الوعي واللغة والذاكرة.
ولهذا فإنّ إنتاج محتوى عربي رقمي عالي الجودة، وبناء تطبيقات تعليميّة تنطلق من الثقافة العربيّة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة اللغة العربيّة، لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجوديّة.
رؤية فكريّة تختزل واقع الطفل العربي اليوم. فالطفل هو المعدن الساخن الّذي يتعرّض لضربات الواقع، والحرب هي المطرقة الّتي تهدم، والرقمنة هي السندان الّذي يُعاد فوقه تشكيل الوعي.
ويبقى السؤال الحضاري مطروحًا أمامنا جميعًا: هل نترك هوية الطفل العربي تتشكّل بعشوائيّة تحت ضغط الحروب والخوارزميات، أم نصوغها نحن بعلمنا وثقافتنا ولغتنا؟
ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به هو القول: إنّ هويّة الطفل هي المعدن الساخن؛ فإما أن نُحسن طرقه بالعلم واللغة والقيم ليخرج سيفًا فصيحًا يحمي حضارته، وإمّا أن تتركه الحروب وضغوط العصر الرقمي مشوهًا بلا ذاكرة، وبلا هوية، وبلا ملامح.
ومن هنا نَدقّ ناقوس الخطر، وندعو إلى مشروع عربي متكامل يجعل من التكنولوجيا جسرًا لحماية الهويّة، لا معبرًا إلى ضياعها، ويعيد للضاد رنينها، وللذاكرة اكتمالها، وللطّفل العربي حقّه في أن ينمو متجذّرًا في لغته، منفتحًا على العالم، وواثقًا بانتمائه.
* أستاذة أكاديمية وخبيرة في التكنولوجيا التربوية والذكاء الاصطناعي واللغويات التطبيقية
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate