الثلاثاء , يوليو 14 2026
أخبار عاجلة

بين ربح الجامعات ومستقبل الشباب… من يراجع بوصلة التعليم العالي؟

 

 

بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:

في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وارتفاع معدلات البطالة وهجرة الكفاءات، يفترض أن يكون التعليم العالي ركيزة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن يسهم في إعداد كوادر مؤهلة تستجيب لاحتياجات سوق العمل. غير أن الواقع يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام بعض مؤسسات التعليم العالي بهذه الرسالة، في ظل التوسع في افتتاح اختصاصات جديدة لا تستند دائمًا إلى دراسات علمية لاحتياجات السوق، بقدر ما تستجيب لاعتبارات مالية وزيادة الإيرادات.

وتؤكد اليونسكو أن التخطيط للتعليم العالي يجب أن يرتبط برؤية تنموية شاملة، وأن تكون البرامج الأكاديمية قادرة على تلبية احتياجات المجتمعات والاقتصادات المتغيرة، لا أن تُبنى بمعزل عن الواقع الاقتصادي (UNESCO، 2021).

في المقابل، يشهد لبنان، كما العديد من الدول، تخريج أعداد متزايدة من الطلاب في اختصاصات تعاني أصلًا من فائض في الخريجين، بينما تستمر قطاعات أخرى في المعاناة من نقص في الكفاءات المطلوبة. والنتيجة أن آلاف الشباب يجدون أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام بطالة مقنعة، أو يضطرون للعمل خارج اختصاصاتهم، أو يختارون الهجرة بحثًا عن فرص تتناسب مع مؤهلاتهم.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن عدم المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل يُعد أحد أبرز أسباب بطالة الشباب، ويؤدي إلى إهدار رأس المال البشري وتراجع الإنتاجية الاقتصادية (International Labour Organization، 2024).

كما يؤكد البنك الدولي أن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى أنظمة تعليمية مرنة، تواكب التحولات المتسارعة في المهارات والمهن، وأن استمرار تخريج كوادر في تخصصات لا يحتاجها السوق يفاقم أزمة البطالة ويضعف القدرة التنافسية للدول (World Bank، 2019).

ولا تقع المسؤولية على الطالب وحده، فهو يتخذ قراره بناءً على ثقته بالمؤسسة التعليمية، وافتراضه أن البرامج الأكاديمية قد أُقرت وفق معايير علمية ودراسات مستقبلية. أما إذا غابت هذه الدراسات، وتحول بعض الاختصاصات إلى مشاريع استثمارية هدفها زيادة أعداد المنتسبين، فإن الطالب يصبح الضحية الأولى، وتتحمل أسرته والمجتمع كلفة هذا الخلل.

وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن جودة التعليم العالي لا تُقاس بعدد البرامج المطروحة أو أعداد الخريجين، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على إعداد خريجين يمتلكون المهارات التي يحتاجها سوق العمل، وبمعدلات توظيفهم بعد التخرج (OECD، 2023).

من هنا، تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية لوزارة التربية والتعليم العالي والهيئات المختصة في مراجعة سياسات الترخيص والاعتماد، وربط فتح أي اختصاص جديد بدراسات علمية دورية وشفافة تستند إلى مؤشرات سوق العمل، مع نشر بيانات حول نسب توظيف الخريجين، بما يتيح للطلاب اتخاذ قرارات واعية بعيدًا عن الدعاية التسويقية.

فالتعليم العالي ليس مشروعًا تجاريًا هدفه تعظيم الأرباح، بل رسالة وطنية واستثمار في رأس المال البشري. وعندما تطغى الاعتبارات الربحية على الرسالة الأكاديمية، لا يخسر الطالب وحده، بل يخسر الوطن طاقات شبابه، ويزداد نزيف الهجرة، وتتسع الفجوة بين التعليم والتنمية.

إن إصلاح التعليم العالي يبدأ من إعادة الاعتبار للتخطيط العلمي، وربط الجامعات باحتياجات الاقتصاد الوطني، لأن مستقبل الشباب لا يجوز أن يكون رهينة الحسابات التجارية أو المصالح الضيقة، بل يجب أن يكون جزءًا من رؤية وطنية تضع الإنسان والتنمية في مقدمة الأولويات.

*استاذ جامعي وباحث اقتصادي

 

المراجع

1-International Labour Organization. (2024). Global Employment Trends for Youth 2024. Geneva: ILO.

2-Organisation for Economic Co-operation and Development. (2023). Education at a Glance 2023: OECD Indicators. Paris: OECD Publishing.

3-UNESCO. (2021). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education. Paris: UNESCO Publishing.

4-World Bank. (2019). World Development Report 2019: The Changing Nature of Work. Washington, DC: World Bank.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

موقع “بوابة التربية” ينشر نص إقتراح القانون لإلغاء الامتحانات الرسمية

  بوابة التربية: ينشر موقع “بوابة التربية” نص اقتراح القانون المعجّل المكرّر المتعلق بالامتحانات الرسمية، …