
بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:
لا تكمن مشكلة البحث العلمي في لبنان في غياب الباحثين أو الجامعات، بل في التفاوت في جودة المنظومة التي تنتج البحث وتقيّمه. فهناك أبحاث لبنانية متميزة تصل إلى مجلات دولية محكّمة، لكن دراسات وتقارير عن البيئة البحثية اللبنانية تشير في المقابل إلى تحديات تتعلق بالتمويل، وهجرة الكفاءات، وتفاوت القدرات البحثية، وضعف البنية المؤسسية للبحث العلمي.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر أهمية من عدد الرسائل التي تُناقش سنوياً:
«هل كل رسالة ماجستير أو دكتوراه تحصل على تقدير “جيد جداً” أو “ممتاز” تستحق فعلاً هذا التقدير من الناحية العلمية؟»
المشكلة تبدأ أحياناً من الإشراف. فالمشرف ليس مجرد اسم على الرسالة، بل يفترض أن يكون قادراً على توجيه الطالب في صياغة المشكلة، وتحديد الفجوة البحثية، واختيار النظرية والمنهج، وتحليل النتائج. لذلك يجب أن يكون اختياره قائماً على التخصص والخبرة البحثية، لا على مجرد الانتماء إلى القسم أو التوافر الإداري.
ثم تأتي لجنة المناقشة بوصفها خط الدفاع الأخير عن جودة البحث. فالمناقشة الحقيقية لا تكتفي بسؤال الطالب عن سبب اختيار الموضوع، بل تختبر: ما الإضافة العلمية؟ لماذا هذا المنهج؟ هل العينة مناسبة؟ هل أدوات القياس صالحة؟ وهل النتائج تثبت ما يدعيه الباحث فعلاً؟
وتؤكد لجنة أخلاقيات النشر العلمي COPE أن التحكيم العلمي يجب أن يكون موضوعياً، وأن يقوم به أصحاب الخبرة المناسبة، مع تجنب تضارب المصالح. وهذا المبدأ لا ينبغي أن يقتصر على المجلات العلمية، بل يجب أن يكون جزءاً من ثقافة مناقشة الرسائل الجامعية أيضاً.
المشكلة الأخرى هي الخلط بين الشكل والجوهر. فعدد المراجع، وطول الرسالة، واستخدام برامج إحصائية مثل SPSS أو AMOS أو SmartPLS، لا تجعل البحث علمياً بالضرورة. فالاستبيان أداة، والإحصاء أداة، والمطلوب أن يكون لكل منهما مبرر علمي وأن يخدم سؤالاً بحثياً واضحاً.
وهنا تصبح عبارة “الفجوة البحثية” اختباراً أساسياً: ماذا أضاف البحث إلى المعرفة السابقة؟ ماذا أصبحنا نعرف بعده ولم نكن نعرفه قبله؟ فإذا لم يستطع الباحث الإجابة بوضوح، فربما نحن أمام دراسة وصفية جيدة، لكن ليس بالضرورة أمام بحث ذي إضافة علمية.
ومن هنا أيضاً يجب إعادة النظر في معنى تقدير “جيد جداً” أو “ممتاز”. فالتقدير العلمي ينبغي ألا يكون انطباعياً، بل مبنياً على معايير واضحة تشمل أصالة الموضوع، وقوة الإطار النظري، وسلامة المنهج، وجودة البيانات، وصحة التحليل، ومناقشة النتائج، والإضافة العلمية.
لذلك، فإن إصلاح الدراسات العليا لا يحتاج إلى مزيد من البيروقراطية، بل إلى رفع مستوى التحكيم والاستقلالية: مشرف متخصص، لجنة ذات كفاءة حقيقية، ويفضل وجود محكّم خارجي مستقل، ومعايير تقييم موحدة ومعلنة.
فالجامعة لا تُقاس بعدد الرسائل التي تمنحها، بل بقدرتها على إنتاج معرفة تستطيع الصمود أمام النقد العلمي. والرسالة لا تصبح ممتازة لأن الطالب حصل على علامة مرتفعة، بل لأن البحث نفسه يستطيع أن يدافع عن قيمته خارج أسوار الجامعة.
وفي النهاية، السؤال الذي ينبغي أن يحكم الدراسات العليا في لبنان ليس: هل نجح الطالب؟
بل:«هل أنتج معرفة جديدة بمنهج سليم وأدلة قابلة للفحص، وتستحق أن تُضاف إلى المعرفة العلمية؟»
إذا كانت الإجابة نعم، فالشهادة تستحقها. وإذا كانت لا، فالمشكلة ليست في الطالب وحده، بل في منظومة الإشراف والتحكيم والتقييم التي سمحت بمرور البحث.
مراجع
1- Lebanese Academy of Sciences, First Report to the Nation: Scientific Research and Education in Lebanon.
2- Assessing the capacity for conflict and health research in Lebanon: a qualitative study, Conflict and Health, 2020.
3- Committee on Publication Ethics (COPE), Ethical Guidelines for Peer Reviewers.
4- COPE, DOAJ, OASPA & WAME, Principles of Transparency and Best Practice in Scholarly Publishing.
*باحث وأستاذ جامعي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate