الأربعاء , أغسطس 19 2026

بين صون حقوق المعلمين وفوضى المزايدات: مَن يمثل المدارس؟ ومَن يحمي أموال صندوق التعويضات؟

 

 

 

بوابة التربية- كتبت نادين خزعل:

 

بات لافتًا في مقاربة قضايا القطاع التربوي مؤخرًا  اختلاط الصلاحيات بالمصالح، ورفع شعارات المزايدة تحت عناوين براقة، وهو ما يجعل من الضروري  إعادة النقاش إلى أساسه: من يملك حق التمثيل؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية حقوق المعلمين؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار؟

إنّ ملف صندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة لا يمكن تحت أي مسمى تحويله إلى مادة للمزايدات أو تسجيل المواقف، لأنه يمثل قضية ترتبط مباشرة بحقوق آلاف المعلمين وباستقرار القطاع التربوي برمّته.

فالصندوق، وفق الإطار القانوني الناظم لعمله، هو مؤسسة ذات منفعة عامة، ورئيس مجلس إدارته هو المدير العام لوزارة التربية، بما يجعل الحديث باسمه وتمثيله خاضعين للأصول القانونية والصلاحيات المحددة بوضوح. ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة حول طبيعة التمثيل داخل الصندوق: هل يمثل أعضاء لجنة الإشراف المؤسسات التربوية بصفتها وموقعها القانوني، أم أنهم يمثلون أنفسهم وفق مواقع وأسماء قد تتبدل مع تبدل المناصب؟

فإذا كانت المواقع والأسماء تتغير تبعاً لتغير المناصب، فإن ذلك يطرح حكماً سؤالاً جوهرياً حول طبيعة التمثيل: هل نحن أمام تمثيل مؤسساتي ثابت، أم أمام تمثيل مرتبط بأشخاص يشغلون مواقع محددة؟ والفرق بين الأمرين ليس شكلياً، بل يمس جوهر المسؤولية والمساءلة.

والأخطر أن الحديث عن أموال الصندوق لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد خطاب إعلامي. فإذا كان الدين المستحق للصندوق هو قانونًا دين ممتاز، فلماذا لا تُفعّل الآليات القانونية لتحصيله؟ ولماذا لا يبادر أصحاب الصلاحية، عبر مجلس الإشراف والجهات المختصة، إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما فيها تكليف محامين وملاحقة الجهات المتخلفة عن التسديد وإلزامها بما يترتب عليها؟

إنّ حماية أموال الصندوق لا تكون بإطلاق الاتهامات، ولا برفع الصوت في المؤتمرات والبيانات، وإنما بتطبيق القانون واستعمال الأدوات التي أتاحها القانون نفسه. سيما وأن حقوق المعلمين هي ثمرة سنوات طويلة من العمل والتعب والاقتطاعات والاستحقاقات.

أما في ما يتعلق بما يُطرح من انتقادات ومزايدات حول مصلحة التعليم الخاص، فالأجدى قبل إطلاق الأحكام أن تتم العودة إلى النصوص القانونية نفسها، فقانون الموازنات المدرسية الرقم 515 يعود إلى العام 1996، ولم يُعدّل منذ ذلك الحين، ولا يتضمن نصاً يفرض تقديم براءة ذمة من صندوق التعويضات كشرط لإيداع الموازنة المدرسية وتسجيلها.

ومن هنا، فإن أي إجراء إداري ينبغي أن يُقاس أولاً بمدى انسجامه مع النص القانوني، لا بالرغبات ولا بالضغوط ولا بالمزايدات. ومصلحة التعليم الخاص، في ظل توجيهات المدير العام وضمن السياسة الإصلاحية التي تتبناها وزيرة التربية، ليست في موقع مواجهة القانون، بل وكما هي دومًا،  في موقع تطبيقه وحماية انتظام العملية التربوية.

لكن، إذا كان البعض حريصاً فعلاً على حقوق المعلمين، فالأجدى أن يوجّه جهده نحو الملفات التي تمسّ مستقبلهم بصورة مباشرة.

فكيف يُحتسب الراتب التقاعدي للمعلم؟ وعلى أي أساس؟ وهل تكفي المطالبة بتحصيل أموال الصندوق من دون معالجة الخلل البنيوي الذي ينعكس على حقوق المعلمين عند نهاية خدمتهم؟

ثم هناك ملف آخر لا يقل خطورة، يتمثل في القرار الذي يشق طريقه نحو التنفيذ والمتعلق باحتساب الغرامات المالية المستحقة للصندوق على أساس سعر صرف 1500 ليرة للدولار، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن في بلد تغيّرت فيه قيمة العملة الوطنية بصورة جذرية أن تُحتسب غرامات مالية اليوم على سعر صرف فقد واقعه الاقتصادي منذ سنوات؟

إنّ العدالة لا تتجزأ. فإذا كانت الغاية هي حماية صندوق التعويضات، فإن حماية الصندوق يجب أن تسير بالتوازي مع حماية المعلم والمدرسة معاً، لأن المدرسة التي تُستنزف مالياً لا تستطيع أن تؤمّن استقراراً تربوياً، والمعلم الذي يُهدر حقه لا يمكن أن يشعر بالأمان المهني الذي يحتاج إليه ليؤدي رسالته.

لذلك، المطلوب اليوم ليس المزيد من المزايدات، ولا تحويل الخلافات الإدارية والقانونية إلى معارك شخصية، بل فتح نقاش مسؤول حول الصلاحيات، وآليات التمثيل، وطرق تحصيل أموال الصندوق، وآلية احتساب التعويضات والتقاعد، والأسس القانونية للغرامات، ومدى ملاءمتها للواقع النقدي اللبناني.

وفي الختام، يبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ: إذا كان الجميع يقول إنه يدافع عن المعلم، فأين هي الإجراءات العملية التي تضمن له حقه؟ ومن يحاسب من قصّر في تحصيل أموال الصندوق؟ ومن يحمي أموال المدارس والمعلمين معاً؟

فلتتوقف المزايدات غير البناءة، وليتم البدء  بمحاسبة الواقع نفسه؛ لأن حقوق المعلمين لا تحتاج إلى خطابات أكثر، بل إلى قانون يُطبَّق، وأموال تُحصَّل، وصلاحيات تُحترم، وعدالة ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص والمواقع.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

متعاقدو اللبنانية أعتصموا أمام السرايا: لإقرار ملف التفرغ ووقف استنزاف الكفاءات

    بوابة التربية: على وقع نشيد الجامعة اللبنانية وفي مواجهة مباشرة مع التغافل الحكومي، …