الأربعاء , أغسطس 19 2026

التفرغ في اللبنانية: استثمار وطني في البحث العلمي ومكانة الجامعة لا مطلب فئوي

 

 

 

بوابة التربية- كتب د. مصطفى راغب*:

لا يمكن مناقشة مستقبل الجامعة اللبنانية وموقعها بين الجامعات العربية والعالمية بمعزل عن واقع هيئتها التعليمية. فالجامعة لا تُبنى بالمباني والبرامج والشهادات وحدها، بل بالأساتذة والباحثين القادرين على تخصيص وقتهم للتعليم والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي وتطوير المختبرات وبناء الشراكات العلمية.

من هنا، فإن ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية لا ينبغي اختزاله بمطلب وظيفي أو معيشي لفئة من الأساتذة، بل يجب النظر إليه بوصفه ملفًا استراتيجيًا يتعلق بمستقبل الجامعة الوطنية وبقدرتها على المنافسة والتقدم في التصنيفات الجامعية العالمية.

الأستاذ الذي يبحث عن قوت يومه لا يمكن مطالبته بإنتاج بحثي عالمي.

تعتمد الجامعات الحديثة على الأستاذ الجامعي بوصفه مدرسًا وباحثًا في الوقت نفسه. فإلى جانب المحاضرات والامتحانات، يُطلب منه نشر الأبحاث في مجلات عالمية مفهرسة، والمشاركة في المؤتمرات، والإشراف على طلاب الماستر والدكتوراه، وتأسيس مشاريع بحثية، وبناء تعاون دولي، واستقطاب التمويل البحثي.

لكن كيف يمكن تحقيق ذلك عندما يكون عدد كبير من أساتذة الجامعة اللبنانية متعاقدين، ويضطر الأستاذ إلى توزيع وقته بين أكثر من مؤسسة من أجل تأمين دخل يسمح له ولعائلته بالعيش؟

إن الساعات التي يقضيها الأستاذ في التنقل بين الجامعات والمؤسسات المختلفة هي ساعات تُقتطع عمليًا من البحث العلمي ومن العمل داخل الجامعة اللبنانية.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة:

استقرار الأستاذ → تفرغ أكبر للجامعة → إنتاج بحثي أعلى → منشورات واستشهادات أكثر → حضور دولي أقوى → تصنيف جامعي أفضل.

ولا يعني ذلك أن التفرغ وحده سيرفع التصنيف تلقائيًا، لكنه يشكل أحد الشروط الأساسية لبناء بيئة بحثية مستقرة وقادرة على الإنتاج المستمر.

 التفرغ والبحث العلمي

الجامعة اللبنانية نفسها تعتمد برامج لدعم مشاريع الأبحاث التي يقدمها أفراد الهيئة التعليمية، بما فيها الأبحاث الأساسية والأبحاث المرتبطة بحاجات المجتمع. وهذا يؤكد أن البحث العلمي جزء أساسي من وظيفة الأستاذ الجامعي وليس نشاطًا ثانويًا.

بل إن الجامعة تشترط في بعض برامج الدكتوراه التفرغ الكامل للعمل البحثي وعدم ممارسة نشاط مهني آخر.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: إذا كانت الجامعة تعتبر التفرغ الكامل ضروريًا لطالب الدكتوراه حتى يستطيع إنتاج بحث علمي جيد، فمن الطبيعي أن يكون الاستقرار والتفرغ أكثر أهمية بالنسبة إلى الأستاذ الذي يُفترض به أن يقود هذا البحث ويشرف على الطلاب وينشر الأبحاث باسم الجامعة.

 التفرغ والتصنيفات العالمية

التصنيفات العالمية الكبرى لا تنظر فقط إلى عدد الطلاب أو عدد الاختصاصات التي تقدمها الجامعة. الوزن الأكبر في عدد من هذه التصنيفات يرتبط بالبحث العلمي، وجودة المنشورات، والاستشهادات، والسمعة الأكاديمية والتعاون الدولي.

لذلك فإن تحسين موقع الجامعة اللبنانية لا يبدأ بإضافة أسماء برامج جديدة إلى لوائح الاختصاصات، بل بتقوية العناصر التي تنتج المعرفة داخل الجامعة.

فكل بحث علمي نوعي يحمل اسم Lebanese University، وكل استشهاد دولي بهذا البحث، وكل مشروع مشترك مع جامعة أجنبية، وكل طالب دكتوراه يُشرف عليه باحث منتج، يساهم في بناء الرصيد الأكاديمي للجامعة.

ومن هنا يصبح التفرغ جزءًا من سياسة تحسين التصنيف، وليس مجرد تسوية إدارية لأوضاع الأساتذة.

استقرار الأستاذ هو استقرار للجامعة

الأستاذ المتفرغ يستطيع بناء مشروع أكاديمي طويل الأمد داخل مؤسسته. يستطيع إنشاء فريق بحث، والإشراف على طلاب الدراسات العليا، وتطوير مختبر، والتقدم لمشاريع دولية، وبناء تعاون مع جامعات أجنبية، ومتابعة البحث نفسه لسنوات.

أما الأستاذ الذي يعيش في حالة تعاقد غير مستقرة ويضطر للعمل في عدة مؤسسات، فمن الصعب مطالبته بالمستوى نفسه من الالتزام البحثي والمؤسساتي، مهما كانت كفاءته العلمية وإرادته الشخصية.

والجامعة اللبنانية نفسها تميز في بنيتها الأكاديمية بين المتفرغ والمتعاقد بالساعة؛ ففي بعض المواقع الأكاديمية والإدارية تكون الأولوية لأساتذة الملاك والمتفرغين، ولا يُلجأ إلى المتعاقدين بالساعة إلا عند عدم توافرهم.

وهذا يعكس أهمية وجود نواة مستقرة من الهيئة التعليمية في أي مؤسسة جامعية.

الدولة أمام خيار استراتيجي

من حق الدولة تنظيم قطاع التعليم العالي الخاص وتطويره وفقًا للقانون والحاجة الأكاديمية. لكن السؤال الذي يجب طرحه هو:

ما الأولوية الوطنية في المرحلة الحالية؟

هل الأولوية هي الاستمرار في توسيع الاختصاصات والمسارات والبرامج في الجامعات الخاصة، أم إعادة بناء القدرة الأكاديمية والبحثية للجامعة اللبنانية، الجامعة الوطنية التي يفترض أن تشكل الركيزة الأساسية للتعليم العالي العام في لبنان؟

المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع الجامعات الخاصة، فالقطاع الخاص شريك أساسي في التعليم العالي اللبناني، وإنما تحقيق توازن في السياسة التعليمية للدولة.

فلا يمكن أن تطلب الدولة من الجامعة اللبنانية أن تنافس الجامعات محليًا وعالميًا، ثم تحرمها في الوقت نفسه من أحد أهم مقومات المنافسة: هيئة تعليمية مستقرة ومتفرغة وقادرة على البحث والإنتاج.

قبل فتح مسارات جديدة… ادعموا الجامعة الوطنية

عند دراسة الترخيص لاختصاصات أو مسارات جامعية جديدة، ينبغي أن تسأل الحكومة ووزارة التربية والتعليم العالي أولًا عن حاجات البلد الحقيقية، وعن البرامج الموجودة أصلًا في الجامعة اللبنانية، وعن قدرة الجامعة الوطنية على تطوير هذه الاختصاصات إذا حصلت على الموارد اللازمة.

إن السياسة الوطنية للتعليم العالي لا ينبغي أن تقوم فقط على زيادة عدد البرامج، وإنما على جودة هذه البرامج وحاجة سوق العمل إليها وقوة البحث العلمي الذي يقف خلفها.

ولهذا فإن الاستثمار في الأستاذ الجامعي قد يكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد من إضافة عشرات المسارات الجديدة.

 التفرغ ليس كلفة فقط

من الخطأ النظر إلى ملف التفرغ فقط من زاوية الكلفة المالية على خزينة الدولة.

فالأستاذ المتفرغ والمنتج علميًا يمكن أن يساهم في نشر أبحاث دولية، واستقطاب مشاريع وتمويل خارجي، وتطوير برامج الدكتوراه، وبناء شراكات دولية، وتحسين سمعة الجامعة، واستقطاب الطلاب والباحثين.

وبالتالي فإن الأموال التي تنفق على تثبيت البيئة الأكاديمية والبحثية للجامعة هي استثمار في رأس المال العلمي للبنان.

المطلوب: التفرغ مقابل الإنتاج

والدفاع عن التفرغ لا يعني المطالبة بتفرغ آلي بعيدًا عن المعايير الأكاديمية.

بل يمكن أن يشكل إقرار الملف بداية لسياسة جديدة تقوم على ربط الاستقرار الأكاديمي بالمسؤولية والإنتاج، من خلال تقييم دوري يأخذ في الاعتبار جودة التدريس، والأبحاث المنشورة، والإشراف على طلاب الدراسات العليا، والمشاركة في اللجان الأكاديمية، والمشاريع البحثية والتعاون الدولي.

بهذه الطريقة يصبح التفرغ عقدًا متبادلًا:

الدولة تمنح الأستاذ الاستقرار، والأستاذ يمنح الجامعة وقته وإنتاجه العلمي.

الجامعة اللبنانية تستطيع أن تتقدم

تمتلك الجامعة اللبنانية عددًا كبيرًا من الباحثين والكفاءات المنتشرة في مختلف الاختصاصات، كما تمتلك برامج دكتوراه ومراكز بحثية وتعاونًا أكاديميًا مع الخارج. وما تحتاج إليه ليس البدء من الصفر، وإنما توفير البيئة التي تسمح لهذه الطاقات بأن تعمل لمصلحة الجامعة بصورة كاملة.

إذا تمكن مئات الأساتذة الباحثين من تخصيص الجزء الأكبر من نشاطهم العلمي للجامعة اللبنانية، فإن الأثر التراكمي خلال خمس أو عشر سنوات يمكن أن يكون كبيرًا: أبحاث أكثر، استشهادات أكثر، مشاريع دولية أكثر، إشراف أفضل على الدكتوراه، وشبكات بحثية أقوى.

وهذه تحديدًا العناصر التي تستطيع أن تعيد الجامعة اللبنانية تدريجيًا إلى موقع أكثر تقدمًا على الخريطة الأكاديمية الدولية.

ملف التفرغ ليس ملف الأساتذة وحدهم

إنه ملف الطالب الذي يريد تعليمًا أفضل، والباحث الذي يريد مختبرًا وفريقًا علميًا مستقرًا، والجامعة التي تريد المنافسة، والدولة التي تريد الاحتفاظ بكفاءاتها بدل دفعها إلى الهجرة أو تشتيت جهودها بين عدة مؤسسات.

لذلك، عندما تناقش الحكومة مستقبل التعليم العالي، يجب أن يكون السؤال الأساسي ليس فقط: كم اختصاصًا جديدًا سنسمح بفتحه؟

بل أيضًا:

ماذا فعلنا لحماية الجامعة اللبنانية وتعزيز قدرتها على التعليم والبحث والمنافسة؟

إن إقرار ملف التفرغ وفق معايير أكاديمية عادلة وشفافة، وتأمين الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للهيئة التعليمية، ودعم البحث العلمي، يجب أن تسبق أو ترافق أي توسع جديد في منظومة التعليم العالي.

فالجامعة الوطنية القوية لا تُبنى بكثرة البرامج على الورق، بل بأستاذ مستقر، وباحث منتج، وطالب يجد في جامعته مستقبلًا، ودولة تعتبر جامعتها الوطنية استثمارًا سياديًا لا عبئًا على الموازنة.

*استاذ وباحث علمي

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

وزارة التربية أمام مسؤوليتها: متى تُنصف أصحاب الحقوق؟

    بوابة التربية: كتب مقرر لجنة التربية النيابية د. إكار طرابلسي: إنّ الفوضى التي …