الخميس , سبتمبر 24 2026

التعليم الجامعي في لبنان… لماذا لا أحد يرفع الصوت؟

 

بوابة التربية: نادين خزعل:

 

من الملفت في القطاع التربوي في لبنان أن الحديث عن التعليم يتوقف عند أبواب المدرسة.

ترتفع الأقساط المدرسية، فتعلو الأصوات، وتتحرك لجان الأهل والنقابات، ويصبح الملف قضية عامة تتصدر النقاش الإعلامي والتربوي. لكن عندما يصل الطالب إلى الجامعة، يخفت هذا الصوت بشكل لافت، وكأن العائلة التي عانت سنوات من كلفة التعليم المدرسي تصبح فجأة قادرة على تحمّل كلفة التعليم العالي بكل ما يرافقها من أقساط ورسوم ونقل وكتب وسكن ومصاريف إضافية.

المفارقة أن التعليم الجامعي ليس مرحلة يمكن الاستغناء عنها بسهولة. فهو بوابة الطالب إلى الاختصاص والمهنة وسوق العمل، ومع ذلك لا يحظى ملف كلفته بالاهتمام نفسه الذي يحظى به التعليم ما قبل الجامعي.

وتزداد أهمية هذا النقاش في بلد يعتمد فيه الجزء الأكبر من طلاب التعليم العالي على الجامعات الخاصة. فبحسب اليونسكو، تستقطب الجامعات الخاصة نحو 60% من طلاب التعليم العالي في لبنان، فيما تبقى الجامعة اللبنانية المؤسسة الوحيدة للتعليم العالي التي تتلقى تمويلًا حكوميًا مباشرًا.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية باتت الأقساط الجامعية تشكل عبئًا في ميزانية الأسرة. فكل زيادة قد تعني لطالب ما تغيير اختصاصه، أو اختيار جامعة أخرى، أو العمل بالتوازي مع الدراسة، أو في حالات معينة التخلي عن التعليم الجامعي.

وبالطبع، لا يمكن اختزال المسألة في تحميل الجامعات الخاصة مسؤولية ارتفاع الأقساط. فالجامعات دون أدنى شك لديها كلفة تشغيلية وأكاديمية مرتفعة، تشمل الأساتذة والموظفين والمختبرات والتجهيزات والبنية التحتية، كما أن الأزمة الاقتصادية انعكست على كلفة تشغيلها.

في الواقع، التعليم العالي هو قضية سياسة تعليمية وطنية؛ فالجامعة اللبنانية تؤدي دورًا أساسيًا في إتاحة التعليم العالي بكلفة أقل، لكنها تواجه بدورها تحديات مالية وأكاديمية تحتاج إلى معالجة جدية. وفي المقابل، تحتاج منظومة الجامعات الخاصة إلى نقاش أوسع حول الأقساط، والمنح، والمساعدات، ووضوح الكلفة التي يتحملها الطالب طوال سنوات دراسته.

والسؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: لماذا لا نسمع الصوت نفسه الذي نسمعه في ملف المدارس؟

قد يكون أحد الأسباب أن الطالب الجامعي يُنظر إليه باعتباره مسؤولًا عن نفسه، بينما يحظى الطالب في المدرسة بحضور أقوى للأهل ولجان الأهل وللمتابعة الإعلامية،  كما أن الجامعات تختلف في اختصاصاتها وأنظمتها وأقساطها، ما يجعل توحيد المطالب أكثر صعوبة.

لكن تعقيد الملف لا يجب أن يتحول إلى سبب للصمت.

وهنا تبرز ضرورة القيام بنقاش وطني واضح حول كلفة التعليم العالي: كيف تحدد الأقساط؟ ما حجم الزيادات؟ ما حجم المنح والمساعدات؟ ما الذي يمكن للدولة أن تفعله لدعم الطلاب؟ وكيف يمكن تعزيز الجامعة اللبنانية؟ وهل توجد آليات فعالة للقروض والمنح التعليمية تضمن ألا تتحول القدرة المالية إلى عامل حاسم في اختيار الطالب لمستقبله؟

إن أهمية التعليم الجامعي تنبع من كونه استثمار في الإنسان وفي الاقتصاد وفي مستقبل البلد.

لقد اعتدنا أن نسأل: كم أصبحت كلفة المدرسة؟

لكن ربما حان الوقت لنسأل أيضًا: كم أصبحت كلفة الجامعة؟ ومن يرفع الصوت عندما يصبح إكمال التعليم حلمًا يفوق قدرة العائلة؟

المشكلة ليست في القسط وحده، فبيت القصيد هو أن تتحول القدرة المالية إلى شرط غير معلن للوصول إلى الاختصاص الذي يطمح إليه الطالب.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الصمت عن كلفة التعليم الجامعي قضية بحد ذاته.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

للرئيس سلام: نريد إخراج ملف التفرغ نهائياً من منطق المقايضة السياسية

      بوابة التربية: د. إيلي لطوف*: بينما يتنقّل دولة الرئيس نواف سلام بين …