الأحد , سبتمبر 27 2026

دراسة تحليليّة حول الامتحان التّشخيصي في الثانويات الرسمية- مادّة اللّغة العربيّة

 

 

بوابة التربية- كتب د. حيدر إسماعيل*:

التقييم التشخيصي: تشخيصٌ للتعلّم أم امتحانٌ جديد خارج التوصيف؟

مرة جديدة يجد الأساتذة والمتعلّمون في التعليم الرسمي أنفسهم أمام تقييم تشخيصي تطرحه وزارة التربية بوصفه أداة لقياس مستوى المتعلمين وتحديد مواطن القوة والضعف لديهم، تمهيدًا لوضع خطط المعالجة والدعم.

ولا أحد يعترض على مبدأ التقييم التشخيصي؛ بل إنّنا، تربويًا ونقابيًا، نعدّه حاجة أساسيّة إذا صُمّم وفق أصول التقويم التربويّ، وربط فعلًا بين التشخيص والمعالجة. لكن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما يُقدَّم للمتعلمين يحقق فعلًا شروط التقييم التشخيصي؟ وهل يجوز أن يتحول التقييم التشخيصي إلى مسابقة بطولية في عرض النّصوص تشبه الامتحان التقليدي تسمية، وتعاكسه مضمونًا من دون الالتزام بالتوصيف والمعايير المعتمدة؟

في اللغة العربية تحديدًا، لا يمكن اختزال الكفايات اللّغوية في مسابقتين أو مجموعة محدودة من الأسئلة، لأنّ المادة منظومة متكاملة تشمل فهم المقروء، والتحليل، والتفكير، والتعبير الكتابي، والتوظيف اللغوي، والقدرة على التواصل، فضلًا عن المهارات التي يفترض أن يكشف التقييم مدى امتلاك المتعلم لها، والمرجع الأساس لأيّ تقييم- مهما اختلفت تسميه- هو توصيف الامتحان الرسمي الذي يقيس كلّ الكفايات المحصّلة خلال العام الدراسي، فكيف إذا كان الهدف هو تشخيص الفجوة التعليمية من سنة إلى أخرى أو من سنوات تضاف إلى سنوات. إذًا، فالأجدى والأفضل هو مقارنة أي تقييم بتوصيف الامتحانات الرسمية الصادر من المركز التربوي.

والتقييم التشخيصي، بحكم وظيفته، يفترض أن يكون أداة للكشف عن الفجوات التعليمية، لا امتحانًا مصغرًا يُقاس فيه المتعلم بعقلية النجاح والرسوب. فإذا كان الهدف معرفة ما يمتلكه الطالب من مهارات وما يحتاج إليه من معالجة، فالأصل أن تُبنى الأسئلة على مؤشّرات مهارية واضحة، وأن تكون النتائج قابلة للتحليل إلى مستويات ومهارات ومجالات ضعف، لا أن تختزل في علامة نهائية.

وهنا تبرز مسألة أساسية: ما المرجعية التي بُني عليها هذا التقييم؟

إذا كان للوزارة توصيف رسمي معتمد للامتحانات، فهذا التوصيف ليس مجرد ورقة إرشادية، يمكن تجاوزها متى شاءت أيّ جهة؛ فهو ثمرة عمل تربوي ولجان واختصاصيين ومعايير محدّدة. وقد أوضح المركز التربوي أن توصيف مسابقات الامتحانات الرسمية استند إلى تنسيق بين الموادّ وإلى تغطية أوسع للمنهج وإعطاء المتعلم فرصة مناسبة للإجابة، مع مراعاة المعرفة والتفكير والتواصل واعتماد معايير محدّدة في توزيع العلامة.

من هنا نسأل بوضوح: إذا كان هناك تغيير في بنية التقييم أو عدد المسابقات أو طبيعة المهارات المقيسة، فمن الجهة التي قرّرت هذا التغيير؟ وما المرجعية التربويّة والقانونية التي استندت إليها؟ وهل أُبلغ الأساتذة والتربويون بالتوصيف الجديد قبل التنفيذ بوقت كافٍ.

لسنا في مواجهة مع التقييم، ولا مع الوزارة، ولا مع أيّ فريق تربوي. اعتراضنا هو على منهجية التقييم وآليات بنائه وتنفيذه إذا لم تكن منسجمة مع الهدف الذي أعلنته الوزارة نفسها.

فالوزارة أعلنت في تقييم 2025 أنّ الغاية هي قياس مستوى التعلم والجاهزية الأكاديمية، وتحديد مواطن القوة والضعف، وتوفير بيانات تساعد على وضع خطط الدعم والتعويض. كما أقرت صراحة بأن عددًا من المسابقات لم يكن مثاليًا من حيث الصياغة أو الوقت.

وهنا السؤال الأهم: ماذا تعلّمنا من تجربة العام الماضي؟

_ تقدم المسابقات من الطلاب فارغة او مزينة برسومات.

_ يلزم الأساتذة بالتصحيح على باريم لتوصيف مسابقة مخالفة المعايير وعليه أن يملأها على البوردورو الإلكتروني وهو غير مقتنع بالصفر الذي ناله الطالب.

إذا كانت التجربة السابقة قد كشفت ثغرات في صياغة بعض المسابقات أو في الوقت المخصص لها، فإن المطلوب ليس إعادة التجربة بالشكل نفسه او بتصعيبها، بل بمراجعتها علميًا، والاستفادة من نتائجها، وإشراك أهل الاختصاص والأساتذة والمركز التربوي في تطويرها.

التقييم التشخيصي الحقيقي لا يبدأ من السؤال: كم حصل الطالب؟، بل من السؤال: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل؟ وما المهارة التي لم يكتسبها بعد؟ ولماذا؟ وكيف سنعالجها؟

كما أنّ التقييم التشخيصي لا ينبغي أن يُحمّل الأستاذ مسؤولية تنفيذ أداة لم يشارك في مناقشة معاييرها، ولا أن يُحمّل المتعلم قلق امتحان جديد في بداية العام الدراسي، خصوصًا بعد سنوات استثنائية عانى فيها التعليم الرسمي من “فقد تعليمي” وظروف مدرسية وأمنية واجتماعية صعبة.

إننا نطالب، من موقعنا التربوي والنقابي، بتوضيح الأسس العلمية التي بُني عليها التقييم الحالي، ونطالب بنشر توصيفه ومؤشراته ومعايير توزيع علاماته، وبيان مدى ارتباط كل سؤال بالكفاية أو المهارة التي يفترض قياسها. كما نطالب بأن تكون نتائج التقييم أداة فعلية لبناء خطط معالجة، لا مجرد أرقام تُجمع في منصة إلكترونية ثم تنتهي مهمتها.

فالوزارة نفسها أعلنت في التجربة السابقة أنّ الغاية من النتائج ليست العلامة، بل تحديد مستوى جاهزية المتعلم ووضع خطط تعلمية مناسبة، وأنّ البيانات ستُستخدم لتحديد المجالات التي تحتاج إلى تعزيز ودعم.

لذلك نقول بكل وضوح:

نحن مع التقييم التشخيصي، لكنّنا نريد تقييمًا تشخيصيًا حقيقيًا، نريد تقييمًا يستند إلى توصيف واضح، ومعايير معلنة، ومهارات محدّدة، وأدوات متنوّعة، ووقت مناسب، وتحليل علمي للنتائج، وخطة معالجة تلي التشخيص.

أما أن يتحوّل التشخيص إلى مسابقة امتحانية جديدة، وأن تتغيّر المعايير أو البنية فجأة من دون نقاش تربوي واضح مع أهل الاختصاص، فذلك يستوجب التوضيح والمراجعة. ومن حق الأساتذة أن يسألوا:

  • من وضع هذا التقييم؟
  • على أي توصيف بُني؟
  • ما الكفايات التي يقيسها؟
  • لماذا اختيرت هذه المسابقات؟
  • كيف ستُحلل النتائج؟
  • وما خطة المعالجة التي ستليها؟
  • وهل استفدنا فعلًا من ثغرات تجربة العام الماضي؟

هذه ليست أسئلة اعتراض من أجل الاعتراض، بل أسئلة تربوية مشروعة، لأن التقييم ليس ورقة أسئلة فقط؛ إنه قرار تربوي يؤثر في المتعلم والمدرسة والمعلم والسياسة التعليمية كلها.

ونحن نمدّ يدنا إلى الوزارة والمركز التربوي وكل المعنيين من أجل تطوير أداة تشخيصية علمية تليق بالتعليم الرسمي وبأبنائه، بعيدًا عن الارتجال، وبالشراكة مع أهل الاختصاص والأساتذة الذين يعيشون العملية التعليمية يوميًا داخل الصفوف.

التشخيص الذي لا يقود إلى معالجة ليس تشخيصًا تربويًا مكتملًا، والتقييم الذي لا يستند إلى معايير واضحة يفقد جزءًا أساسيًا من عدالته وصدقيته.

دراسة واقعية للامتحان التّشخيصي لصفّي علوم الحياة والعلوم العامّة/ والاقتصاد والاجتماع

بعد الاطلاع على الامتحان التشخيصي لصف الشهادة الثانوية العامّة ومقارنته بتوصيف المركز التربوية، تظهر نقاط نقد واضحة، والمهمّ هنا أنّ بعض الملاحظات هي مخالفات أو عدم اتّساق مباشر مع التوصيف، وبعضها الآخر ملاحظات تربوية على صلاحية الاختبار بوصفه تشخيصيًا.

تحمل المسابقة عنوان “امتحان التقويم التشخيصي الوطني للشهادة الثانوية العامة– العام الدراسي 2026-2027”، ومدتها ساعتان ونصف، وتضمّ نصّين للقراءة والتحليل، ثم مجموعة من الأسئلة اللغوية والتحليلية والتعبير الكتابي.

واللافت جدًّا أنّ القسم الكتابي لا يكتفي بالإنتاج النهائي، بل يطلب أوّلًا نشاطًا تحضيريًا: تحديد عناصر الموضوع، وتوسيع المفاتيح، واقتراح مقدّمة وخاتمة، ثم بناء مخطّط، وبعد ذلك إنتاج المقال في حدود 220–280 كلمة.

وهنا تبدأ المقارنة المهمّة.

  1. التوصيف الرسمي يقوم على «نصّ واحد» لا نصّين: التوصيف المنشور للمسابقة الرسمية لفرعي العلوم العامة وعلوم الحياة يحدّد مكوّنات المسابقة فينص ومجموعة أسئلة في قراءة النّص وتحليله، وموضوع في التعبير الكتابي. كما أنّ توزيع العلامات هو 11/20 للقراءة والفهم و9/20 للتعبير الكتابي. أما المسابقة التشخيصيّة المرفقة في صف العلوم العامة وعلوم الحياة، فتضع:
  • النّصّ الأوّل: “رؤية الإنسان إلى الفن”
  • النّصّ الثاني: “زهر اللوز… لبنان، وكلمات رقيقة”
  • ثم أسئلة قراءة وتحليل لكلّ منهما.

فوجود نصين ليس ممنوعً تربويًا في التقييم التشخيصي؛ فهذا يحتاج إلى نصّ تنظيمي صريح حتى نصفه بالمخالفة القانونية؛ لكن المشكلة أنّ الوزارة، إذا أرادت اختبارًا تشخيصيًا مستقلًا، مطالبة بتبيان: لماذا اختارت بنية تختلف عن بنية التوصيف الرسمي؟ وما المهارات الإضافية التي تريد قياسها؟

  1. الاختبار التشخيصي أقرب إلى امتحان رسمي مصغّر منه إلى اختبار تشخيصي: عرّفت وزارة التربية التقييم التشخيصي في تجربتها السابقة بأنّه وسيلة لفهم واقع التعلم وتحديد مواطن القوة والضعف وتوجيه الخطط التعليمية. والتشخيص الحقيقي يفترض أن يخبرنا مثلًا:
  • هل الطالب ضعيف في فهم الفكرة العامة؟
  • هل يعجز عن الاستنتاج؟
  • هل لديه مشكلة في توظيف القاعدة؟
  • هل يعاني من ضعف في بناء الفقرة؟
  • هل المشكلة في الترابط أم في سلامة اللغة؟

لكن المسابقة الحالية تجمع: فهمًا وتحليلًا لنصين. أسئلة اختيار من متعدد.  سؤالًا مقاليًا. تلخيصًا. روابط وأدوات. اشتقاقًا وصرفًا. ضبط أواخر الكلمات. صورة بيانية. إعرابًا. أفعالًا مزيدة. أسماء مشتقة. موقفًا نقديًا. تخطيطًا للمقال. إنتاجًا كتابيًا كاملًا.

وهذا يجعلها اختبارًا واسعًا لعدد كبير من المعارف والمهارات، لكنّه لا يجعلها بالضرورة أداة تشخيصيّة دقيقة ما لم تُربط كل فقرة بمؤشر مهاري واضح، وتُحلل نتائجها على مستوى كل مهارة.

  1. التعبير الكتابي: هنا توجد ثغرة أوضح: يحدّد التوصيف الرسمي أنّ الهدف من التعبير الكتابي هو اختبار قدرة المرشح علىإنشاء نصّ متماسك ووافٍ للأصول، وأن يُطرح موضوعان يختار الطالب أحدهما، على أن يختلفا من حيث النمط أو النوع. كما يُحدّد للعلوم العامة وعلوم الحياة أو الاقتصاد حجمًا بين 250 و400 كلمة مع هامش 10%.. أما الاختبار التشخيصي فيفرض موضوعًا واحدًا، ثم يجعل الطالب يمرّ بمهمتين:
  • نشاط تحضيري: تحديد المفاتيح، وتوسيعها، واقتراح المقدمة والخاتمة، ووضع مخطط.
  • إنتاج المقال النهائي بين220 و280 كلمة.

وهنا يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات:

  • إلغاء خيار الموضوعين: إذا كان هذا الاختبار يريد قياس القدرة العامة على التعبير، فإنّ إعطاء الطالب موضوعًا واحدًا يجعل النتيجة مرتبطة أيضًا بمدى ملاءمة الموضوع لخلفيته المعرفية وقدرته على الكتابة فيه، بينما التوصيف الرسمي يعطيهموضوعين مختلفين ليختار أحدهما.
  • الحجم أقل من الحجم المعتمد رسميًا: التشخيصي يطلب 220–280 كلمة، بينما التوصيف الرسمي يعتمد 250–400 كلمة مع هامش 10%.، وهذا ليس تفصيلًا شكليًا؛ لأنّ حجم المنتج يؤثر في القدرة على قياس: بناء الأفكار. التوسع. الترابط. الاستدلال. تنظيم الفقرات. سلامة اللغة.
  • الجمع بين التخطيط والإنتاج: الاختبار لا يكتفي بطلب المقال، بل يجعلالتخطيط نفسه جزءًا من الاختبار. وهذا يطرح سؤالًا تشخيصيًا مهمًا: هل نحن نقيس قدرة الطالب على الكتابة، أم نقيس قدرته على اتباع نموذج محدد مسبقًا في التخطيط للكتابة؟
  1. المفارقة الأهم: التوصيف الرسمي يريد قياس مستويات التفكير: لا يقتصر التوصيف الرسمي على الحفظ؛ فهو ينصّ على تناول مستويات المعرفة والفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والتقويم، وعلى تدرج الأسئلة من الفهم إلى التحليل فالتقويم، وعلى تنويع الأسئلة لتشمل أكبر قدر من الكفايات، وهذه نقطة قوة موجودة فعلًا في الاختبار المرفق؛ فهو لا يكتفي بأسئلة الاستظهار. مثلًا، السؤال الرابع يطلب من الطالب اتخاذ موقف من فكرة الكاتب وتعليله بحجة منطقية مستفيدًا من أفكار النص. وفي النص الثاني، يطلب أيضًا اتخاذ موقف وتعليله بحجة منطقية. إذن لا يصح أن نقول إنّ المسابقة ضعيفة لأنها تعتمد الحفظ فقط. بل النقد الأدقّ هو: المسابقة تحتوي مهارات عليا فعلًا، لكنها تحتاج إلى بيان كيف ستُحلل نتائج هذه المهارات تشخيصيًا، وكيف ستتحوّل الإجابات إلى خطط معالجة.
  2. كثافة المهارات في الامتحان التشخيصي
    • في النّصّ الأوّل وحده نجد: فهم المقصود من عبارة. تحديد فكرة. تحديد الفكرة العامة. تفسير عبارة. مقارنة وظيفتين. تلخيص. تفسير أدوات الربط. استخراج اسم مفعول. استخراج مصدر قياسي. ضبط أواخر الكلمات. إبداء رأي وحجة.
    • وفي النّص الثاني نجد بدوره:فهمًا وتحليلًا. علاقة الفن بالمكان. خصائص المقالة الأدبية. صورة بيانية. دلالة الصورة. إعرابًا. أفعالًا مزيدة. مشتقات وأوزانًا. موقفًا حجاجيًا.

ثم تأتي مهارات التخطيط والإنتاج الكتابي. فهذا من الناحية التربوية ثراء كبير، لكنه يخلق سؤالًا جوهريًا: هل المطلوب تشخيص عدد كبير جدًا من الكفايات في جلسة واحدة، أم تحديد مواطن الضعف الأساسية التي يحتاج إليها الطالب في بداية العام؟

  1. التوصيف الرسمي نفسه يضع معيارًا مهمًا: تغطية المنهج مع إعطاء فرصة للإجابة: يوضّح المركز التربوي أنّ فلسفة توصيف المسابقات الرسمية تقوم على تغطية أكبر عدد من محاور المنهج، وإعطاء المتعلم فرصة أكبر للإجابة، ومراعاة المعارف والتفكير والتواصل، مع اعتماد التجزئة والأسئلة التحليلية ومعايير محدّدة لتوزيع العلامات. لذلك فإنّ السؤال الواجب طرحه ليس: “هل الأسئلة جيدة أم سيئة؟”، بل: “هل كل سؤال في هذه المسابقة مرتبط بمؤشر تشخيصي واضح، وهل يمكن من خلاله تحديد مهارة بعينها ومعالجتها لاحقًا؟”
  2. النّص الثاني أدبي وبلاغي بصورة قد تؤثر في التشخيص: النّصّ الثاني شديد الكثافة من الناحية البلاغية والوجدانية، ويستخدم تراكيب مثل: “كل قصيدة عصفور يطير بنور” و “نفخوا في رمادنا”، و”ظل شجرة واحدة من أشجار الفن..”. وهذا ليس عيبًا في النصّ الأدبي بحد ذاته، لكن في الاختبار التشخيصي الوطني ينبغي الانتباه إلى ألّا تتحوّل صعوبة النّصّ الأسلوبيّة إلى عامل يطغى على المهارة المراد قياسها. فإذا كان الهدف تشخيص الفهم القرائي، يجب التأكد من أن التعقيد البلاغي لا يصبح متغيرًا إضافيًا يؤثر في النتائج.
  3. غياب «جدول مواصفات» ظاهر للاختبار: يقوم التوصيف الرسمي على اختيار الأسئلة وفق أهداف المادة والكفايات، وعلى تغطية مجالات متعددة ومستويات معرفية مختلفة. لكن الامتحان التشخيصي لا يظهر للمعلم أو المصحّح: الكفاية التي يقيسها كلّ سؤال. المستوى المعرفي لكلّ سؤال. المجال الذي ينتمي إليه السؤال. الوزن النسبي لكل كفاية. معيار النجاح في كل مهارة. كيفية تحويل النتائج إلى تشخيص وخطة علاجية.

وبالتالي، فإنّ النتيجة النهائية قد تخبرنا أن الطالب حصل مثلًا على علامة منخفضة، لكنّها لا تعطينا بالضرورة “خريطة تشخيصية” دقيقة.

  1. هل هناك مخالفة للتوصيف؟

لا أقول:“المسابقة مخالفة للتوصيف الرسمي» بصورة مطلقة، لأن التقييم التشخيصي ليس بالضرورة امتحانًا رسميًا، وقد يكون للوزارة توصيف خاص به. لكن يمكن القول: “إنّ بنية الاختبار التشخيصي تختلف في عدد من عناصرها عن توصيف مسابقة اللغة العربية في الامتحانات الرسمية، الأمر الذي يستوجب توضيح المرجعية التي اعتمدتها الوزارة في إعداد هذا الاختبار، ولا سيّما في عدد النّصوص، ومدّة الاختبار، وبنية التعبير الكتابي، وحجم الإنتاج الكتابي، وآلية توزيع العلامات والمعايير المعتمدة في التشخيص.“

هذه الصياغة أقوى نقابيًا لأنّها تطالب بالتوضيح ولا تعطي الوزارة فرصة للردّ بأنّ التقييم التشخيصي ليس امتحانًا رسميًا.

  1. المقارنة المختصرة
المعيار التوصيف الرسمي الاختبار التشخيصي المرفق الملاحظة
النصوص نص ومجموعة أسئلة نصان اختلاف جوهري في البنية
القراءة والفهم 11/20 غير ظاهر في الورقة المرفقة كتثقيل نهائي يلزم نشر سلم التقييم
التعبير 9/20 نشاط تحضيري + إنتاج يحتاج إلى توضيح التثقيل
الموضوع موضوعان، اختيار واحد موضوع واحد اختلاف عن التوصيف
حجم التعبير 250–400 كلمة + 10% 220–280 كلمة أقل من المجال الرسمي
المدة ساعتان ساعتان ونصف أطول من الرسمي
التفكير فهم، تطبيق، تحليل، تركيب، تقويم موجود نقطة إيجابية
المهارات اللغوية متنوعة متنوعة جدًا كثافة مرتفعة
الهدف تقويم مستوى المرشح وفق التوصيف تشخيص مواطن القوة والضعف يحتاج إلى ربط الأسئلة بخطة معالجة
النتائج علامة امتحانية وفق معايير محددة يفترض أن تكون بيانات تشخيصية ضرورة إعلان آلية تحليل النتائج

وتستند عناصر المقارنة الخاصة بالتوصيف الرسمي إلى وثائق المركز التربوي المنشورة، ومنها توصيف 2024 وتوصيف 2017.

فالمشكلة ليست في وجود اختبار تشخيصي، بل في بنيته ومعاييره ومرجعيته وآلية استثمار نتائجه.

ثم طرح الأسئلة التالية على الوزارة والمركز التربوي:

  • ما التوصيف الرسمي المعتمد لهذا التقييم التشخيصي؟
  • من أقرّ هذا التوصيف؟
  • لماذا اختلفت بنيته عن توصيف الامتحان الرسمي؟
  • لماذا أصبح عدد النصوص نصين؟
  • لماذا أُلغي خيار الموضوعين في التعبير؟
  • لماذا حُدّد الإنتاج بـ220–280 كلمة؟
  • ما وزن كل مهارة في العلامة؟
  • هل توجدشبكة تصحيح تشخيصية تحدد مواطن الضعف بحسب المهارة؟
  • كيف ستتحول النتائج إلى خطط معالجة؟
  • ماذا تغيّر فعليًا بعد ملاحظات تجربة 2025؟
  • وهل شارك أساتذة التعليم الرسمي ومنسقو المواد وخبراء المركز التربوي في إعداد هذه الصيغة؟

خلاصة القول:

إنّ الخلل الأساسي في هذا الامتحان ليس في وجود أسئلة الفهم والتحليل واللغة والتعبير، ولا في اختيار النّصوص بحدّ ذاته، بل في مدى ملاءمة هذه البنية لوظيفة «التقويم التّشخيصي». فالأسئلة تبدو أقرب إلى محاكاة مصغّرة للمسابقة الرسمية منها إلى أداة تشخيصيّة مبنية على خريطة كفايات ومؤشرات أداء ومعايير واضحة للانتقال من النتيجة إلى المعالجة. كما أنّ حجم المنتج الكتابي وبنية الاختيار في التعبير لا تتطابق تمامًا مع التوصيف الرسمي المنشور لفرعي العلوم العامة وعلوم الحياة، الذي يحدد 250–400 كلمة مع هامش 10% ويطرح موضوعين مختلفين يختار المرشح أحدهما. والأهم أنّ توصيف المركز نفسه يؤكد أنّ أسئلة مادّة اللغة العربية ينبغي أن تتناول مستويات المعرفة والفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والتقويم، وأن تتدرج من الفهم إلى التحليل، وأن تشمل قدرًا أكبر من الكفايات.

لذلك، إذا كان الامتحان تشخيصيًا، فيجب أن تكون علامته قابلة للتفكيك إلى كفايات ومهارات، بحيث يستطيع الأستاذ بعد التصحيح أن يعرف بدقة: من يعاني ضعفًا في الفهم؟ من يعاني ضعفًا في التحليل؟ من يعاني ضعفًا لغويًا؟ من يعاني ضعفًا في بناء الحجة؟ ومن يعاني ضعفًا في التعبير الكتابي؟ أما جمع هذه المهارات في مسابقة طويلة ثم إعطاء علامة إجمالية، فلا يحقق التشخيص بالمعنى التربوي الدقيق.

والعبرة الأساس في الخطّة العلاجية الواجب طرحها، ولكن تجربة السنة الماضية في الامتحان التشخيصي لم تثمر حلولًا للفاقد التعليمي.

 

*نائب رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي سابقًا

*عضو لجنة اللّغة العربية في الامتحانات الرسميّة

 

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

الجامعة-اللبنانية-ودور-الطلاب

كُفّوا عن الإساءة لسمعة الجامعة اللبنانية الوطنية

      بوابة التربية:  د. لارا سليمان نون: في الوقت الذي يستمر فيه البعض …