
بوابة التربية- كتب د. حسن زين الدين:
أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب PISA 2025، وهو تقييم دولي يقيس مدى امتلاك الطلاب في سن الخامسة عشرة المعارف والمهارات التي تمكنهم من التعامل مع تحديات الحياة الواقعية.
شارك في دورة 2025 نحو 800 ألف طالب في 89 دولة، وكان لبنان من المشاركين فيها. وتظهر النتائج أن أداء الطلاب اللبنانيين جاء دون المتوسط، إن لم نقل أكثر. وفي القراءة (باللغة الأم)، حلّ لبنان في المرتبة 84 من أصل 89.
يقيس الاختبار ثلاث كفايات أساسية:
1- القراءة: وهي أبعد من معرفة الكلمات؛ إنها القدرة على فهم النصوص المكتوبة واستخدامها والتفكير فيها واستخلاص المعنى والعبرة منها.
2- الرياضيات: وهي ليست مجرد إجراء عمليات حسابية، بل القدرة على توظيف المنطق والتفكير الرياضي في فهم المشكلات الواقعية وتحليلها واتخاذ القرارات على أساسها.
3- العلوم: وهي أبعد من حفظ النظريات والمعلومات؛ إنها القدرة على استخدام المعرفة العلمية وفهم الأدلة والتجارب وتطبيقها في مواقف مختلفة.
والأرقام اللبنانية مقلقة. ففي القراءة، لم يبلغ المستوى الثاني (الأعلى هو المستوى الخامس)أو أعلى سوى 22% من الطلاب، مقابل 69% في متوسط الدول المشاركة. وفي الرياضيات بلغ هذه العتبة 31% فقط، مقابل 65% في متوسط الدول ذاتها أما في العلوم، فكانت النسبة أيضًا منخفضة بصورة كبيرة.
عندما يكون بين 70% و80% من الجيل الصاعد دون الحد الأدنى من الكفاءة في بعض مجالات التعلم الأساسية، وهي الكفايات النقلية، التي تشكل قاعدة المعارف كلها، فأي مستقبل ينتظرنا؟
وهنا تكمن أهمية الرقم: فالمستوى الثاني ليس مستوى المقبول، بل هو الحد الأدنى من الكفاءة الذي يستطيع عنده الطالب، في القراءة مثلًا، تحديد الفكرة الرئيسية في نص متوسط الطول، والعثور على معلومات وفق معايير محددة، وفهم بعض جوانب النص عندما يُوجَّه إلى ذلك.
ولا تقتصر الرسالة التي يحملها التقرير على التحصيل العلمي وحده. فبيئة التعلم نفسها تستحق التوقف عندها؛ إذ تشير بيانات PISA 2025 إلى مشكلات تتصل بالبيئة المدرسية، فالتنمر والتنمر الإلكتروني، والغياب، والشعور بعدم الأمان داخل المدرسة، كلها مؤشرات تستحق التوقف والدراسة.
هذه الأرقام قد لا تحظى بما تستحقه من اهتمام لدى المسؤولين، لكنها بالتأكيد تستحق أن يتوقف عندها أهل التربية والتعليم، لأن القضية هنا لا تتعلق بترتيب لبنان في جدول دولي فحسب، بل بما يتعلمه أبناؤنا فعلًا، وبما إذا كانت المدرسة تمنحهم الأدوات التي يحتاجون إليها لفهم العالم ومواجهة تحدياته.
وقيمة هذا التقرير ليست في جلد الذات ولا في البكاء على الأطلال، بل في أنه يضع أمامنا مرآة يمكن أن نرى فيها واقعنا بوضوح، وأن نقارن أنفسنا بالآخرين بهدف إصلاح تعليمنا والارتقاء به.
فإذا كان التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل لبنان، فإن نتائج PISA 2025 ينبغي ألا تُقرأ كخبر عابر، بل كرسالة واضحة تدعونا إلى مواجهة واقعنا التعليمي بشجاعة، وتحويل الأرقام إلى سياسات، والقلق إلى فعل.
*ينشر بالتزامن مع مجلة الشراع
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate