
بوابة التربية- كتب موسى سويدان:
إلى أين نأخذ أبناءنا؟
أولاً: هل أصبح التنمر ترنداً؟ أصبح أولادنا ينامون على ترند ويستيقظون على آخر، يتقنون التمثيل أمام كاميرات “تيك توك” و”إنستغرام” بحثاً عن المشاهدات والإعجابات. فهل صار من يملك الهاتف هو الأقوى؟ وهل أصبحت الحركات الخارجة عن اللياقة والأخلاق وسيلة للشهرة؟ وهل بات ضرب الطلاب وإهانة بعضهم البعض مادة نتداولة ونصفّق لها؟ هكذا إذن نريد أبناءنا؟!
ثانياً: التكنولوجيا ليست المتهم الوحيد! لنكن واضحين؛ التكنولوجيا ليست سبب التنمّر بحد ذاته، فهو سلوك بشري قديم، لكن التقنية دخلت كل بيت وأصبحت قادرة على نقل هذه السلوكيات وتضخيمها ونشرها على نطاق واسع. نحن لست ضد التكنولوجيا ولا ضد الذكاء الاصطناعي، بل نريد جيلاً يمتلك أدوات العصر من دون أن يفقد إنسانيته وقيمه.
ثانياً: أين الدراسات والخطط التربوية؟ بينما تنشغل وزاراتنا ومؤسساتنا بالبحث عن الأرقام، وإحصاءات الطلاب، ونتائج التعليم، تبرز كارثة تربوية واجتمعية حقيقية: أين الدراسات العلمية؟ وأين الأبحاث والمقالات المتخصصة؟ أين برامج التدريب والتوعية والخطط العملية لمواجهة التنمر والعنف المدرسي؟ إننا بحاجة ماسة إلى إجراءات حقيقية، ومناهج تربوية تزرع الاحترام وتقبّل الآخر، وتعلم أبناءنا كيف يختلفون من دون أن يؤذوا بعضهم.
رابعاً: هل أصبح التوفير أهم من تأهيل المعلم؟ هل أصبحنا نستقطب أساتذة من مختلف الاختصاصات ونضعهم أمام الطلاب من دون إعداد تربوي وتأهيل مهني كافٍ؟ وهل أصبح التوفير المالي أهم من الاستثمار الحقيقي في المعلم؟ إن امتلاك الشهادة الجامعية والتخصص العلمي لا يكفي وحده لصناعة معلّم ناجح؛ فالتدريس يحتاج إلى إعداد تربوي، وتدريب عملي، ومعرفة دقيقة بعلم نفس الطفل، وإدارة الصف، والتعامل مع السلوكيات المعقدة. المعلم ليس ناقلاً للمعلومات الصماء، بل هو شريك أساسي في بناء شخصية الإنسان.
خامساً: من المسؤول عن حماية هذا الجيل؟ المسؤولية لا تقع على المدرسة وحدها، ولا على الأهل وحدهم، ولا على الوزارة وحدها؛ إنها مسؤولية تشاركية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والمعلم والمناهج، وتصل إلى الدولة والمجتمع. نحن أمام جيل يُسمّى “جيل ألفا” وربما “جيل بيتا”، جيل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فهل يعني ذلك أن نتخلى عن مبادئنا وأخلاقنا؟
سادساً: ماذا نريد لأبناء لبنان؟ نحن بحاجة إلى بناء جيل أفضل، وهذا لا يتحقق بالمسابقات والجوائز الشكلية وحدها، بل بالتعاضد والعمل الجاد. علينا تعريف أبنائنا بمبادئنا وقيمنا، وباحترام الإنسان وتقبّل الآخر، وبالهوية اللبنانية التي نعتز بها ونريد أن يحملوها إلى العالم. فلبنان الذي وصل أبناؤه إلى العالمية بعلمهم وإبداعهم، يستحق منا أن نحافظ على قيمه وإنسانيته أيضاً.
وأخيراً… لسنا ضد التطور، بل نطالب بتعليم متطور، ومعلم مؤهل، ومناهج مسؤولة، وأسرة واعية، ودولة تضع حماية الطفل وبناء شخصيته في مقدمة أولوياتها. لا نريد جيلاً يجيد التعامل مع الشاشات فحسب، بل نريد جيلاً يعرف كيف يحترم الإنسان، وكيف يبدع، وكيف يفكر، وكيف يختلف من دون أن يؤذي.
أبناؤنا أمانة… ومستقبل لبنان مسؤوليتنا جميعاً. فهل نبدأ بمراجعة حقيقية قبل أن يصبح التنمر ثقافة، والإساءة بطولة، والعنف وسيلة للشهرة؟
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate