السبت , نوفمبر 7 2026

لجنة قبول المشاريع في آداب «اللبنانية»: من الجدل حول التشكيل إلى سؤال الاستقلالية

 

 

 

بوابة التربية- كتب د. فادي مسعد:

 

أثار تشكيل لجنة قبول المشاريع البحثية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية اعتراضات بين عدد من الأساتذة. وقد انصبّ النقاش على تكرار الأسماء نفسها في اللجنة، وعلى المعايير التي اعتُمِدت في اختيار أعضائها الجدد. وبلغ الجدل حدّ تقديم ممثل الأساتذة في الفرع الخامس استقالته، بعدما وُجِّهت إليه انتقادات بسبب عدم دفاعه، في نظر بعض زملائه، عن حقهم في التمثيل والمشاركة، مع أن قرار تشكيل اللجنة لا يصدر عنه، وإنما يُتخذ ضمن الآليات المؤسسية المعتمدة في عمادة الكلية.

ويتمثل جوهر القضية في غياب قواعد واضحة وشفافة تحكم تشكيل اللجنة وآليات عملها؛ فحين تغيب المعايير المعلنة، تُطرح تساؤلات حول أسباب اختيار بعض الأساتذة دون غيرهم، وحول مدى اعتماد الكفاءة البحثية والخبرة العلمية أساساً لهذا الاختيار. والمؤسسات الأكاديمية الرصينة تبرر قراراتها بمعايير معلنة وقابلة للمراجعة والمساءلة.

على أن الإشكالية الأشد خطورة تتعلق بطريقة عمل اللجنة؛ فالكفاءة العلمية لأعضائها، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان عدالة قراراتها. ويتطلب العمل الأكاديمي الرصين إجراءات واضحة تحافظ على استقلالية القرار وتمنع تضارب المصالح.

وتبرز هنا علاقة أعضاء اللجنة بالمشاريع المعروضة عليها. فإذا كان بعضهم يشرف على طلاب تتولى اللجنة النظر في مشاريعهم، نشأ تضارب بين مهمتي الإشراف والتقييم؛ فالأستاذ الذي يوجّه المشروع ويتابع إعداده ينبغي أن يكون بعيداً عن الجهة التي تقرر قبوله أو رفضه.

وقد يتجاوز تأثير العضو مشاركته المباشرة في التقييم أو التصويت إلى النفوذ المعنوي الذي يرافق وجوده داخل اللجنة؛ فالمداولات الأكاديمية لا تجري في فراغ، وتأثير الأعضاء لا يقتصر على الأصوات المسجلة في المحاضر. وقد يؤثر حضور المشرف في اتجاه النقاش أو في مواقف زملائه، حتى إن التزم الصمت وامتنع عن التصويت؛ ولذلك تقتضي استقلالية القرار ابتعاد كل عضو ذي مصلحة مباشرة عن المسار الكامل للنظر في المشروع.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يُلاحظ أن نسبة ملحوظة من المشاريع المقبولة تعود إلى طلاب يشرف عليهم أعضاء في اللجنة نفسها. وقد تكون هذه المشاريع مستوفية للشروط العلمية، وقد يكون هؤلاء الأساتذة أكثر نشاطاً من غيرهم في الإشراف البحثي؛ إلا أن تكرار هذه الحالة يثير سؤالاً مشروعاً عن الضمانات التي تكفل صدور القرارات وفق المعايير العلمية وحدها. ومن حق المجتمع الأكاديمي أن يطمئن إلى أن النتيجة نفسها كانت ستصدر لو عُرض المشروع على لجنة لا تربط بين أعضائها وصاحبه علاقة إشرافية.

ويفرض ذلك سؤالاً آخر: لماذا يشتد التنافس أحياناً على عضوية لجنة لا تمنح مكافأة مالية، وتتطلب في المقابل وقتاً وجهداً ومسؤوليات إضافية؟ ينظر كثيرون إلى هذه المهمة بوصفها خدمة أكاديمية ضرورية؛ غير أن العضوية تمنح صاحبها أيضاً قدرة على التأثير في رسم الخريطة البحثية داخل الكلية وفي تقرير المشاريع التي تنال الموافقة. ومن حق المجتمع الجامعي أن يتساءل عمّا إذا كان الحرص عليها مرتبطاً دائماً بخدمة البحث العلمي، أم أن بعض الساعين إليها يرون فيها وسيلة لتأمين ظروف أكثر ملاءمة لمشاريع طلابهم أو لتعزيز حضورهم الأكاديمي داخل المؤسسة. وهذا التساؤل لا يشكل اتهاماً لأحد، وإنما يؤكد ضرورة وضع قواعد تحول دون توظيف العضوية لخدمة مصالح إشرافية أو أكاديمية خاصة.

ولهذا ينبغي ألّا يُترك الأمر لاجتهاد الأفراد أو لحسن نياتهم؛ فالجامعات التي تحرص على سمعتها البحثية تعتمد قواعد واضحة للإفصاح عن علاقات الإشراف والمصالح المباشرة، وتُلزم العضو بالتنحي عن مناقشة الملف المعني والمداولة بشأنه والمشاركة في القرار المتصل به. وتهدف هذه الإجراءات إلى حماية نزاهة المؤسسة وتعزيز الثقة بقراراتها.

واللافت أن النظام الداخلي لكلية الآداب والعلوم الإنسانية يفصل بين مهمتي الإشراف والتقييم في مرحلة مناقشة الرسائل النهائية؛ إذ يرفع المشرف تقريره إلى العميد من دون أن يشارك في المناقشة أو المداولة. ويعكس هذا النص إدراكاً مؤسسياً لأهمية تحييد المشرف عن القرار النهائي. وإذا كان هذا الفصل ضرورياً عند مناقشة الرسالة، فإن تطبيقه في مرحلة قبول المشروع يبدو أكثر إلحاحاً؛ لأنها المرحلة التي تحدد انتقال الطالب إلى البحث أو توقفه عند حدود المشروع.

ويكشف تجدد الجدل عند تشكيل اللجنة قصوراً في القواعد الناظمة لعملها؛ إذ إن وضوح معايير الاختيار، وإعلان إجراءات العمل، ومعالجة حالات تضارب المصالح معالجة مؤسسية، أمور كفيلة بتقليل الاعتراضات وحماية قرارات القبول والرفض من التأويل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى معايير معلنة تضمن اختيار أعضاء متمرسين في مناهج البحث، يمتلكون سجلاً علمياً وخبرة فعلية في تقويم المشاريع؛ فالعبرة بكفاءة اللجنة وفاعليتها، لا بعدد أعضائها. وهذه المهمة ليست مجالاً للتدرب على مناهج البحث، وإنما مسؤولية ينبغي أن يتولاها من تمرّسوا فيها، وراكموا خبرة بحثية تؤهلهم لفحص الإشكاليات والمناهج والمصادر والحكم على صلاحية المشاريع للإنجاز.

وينبغي أن يُحال كل مشروع إلى ثلاثة أساتذة مختصين، يكون أحدهم على الأقل قارئاً مستقلاً من خارج اللجنة، بما يعزز موضوعية التقييم ويكشف مواطن الضعف قبل إجازته. ويقتضي ذلك أيضاً اعتماد قواعد مكتوبة للإفصاح عن المصالح المتعارضة، وآليات واضحة للتنحي والمساءلة، ونشر أسس القبول والتقييم بصورة شفافة وقابلة للمراجعة.

ويبقى السؤال الأساسي: كيف نضمن أن يُقيَّم كل مشروع وفق المعايير نفسها، بمعزل عن موقع المشرف أو علاقاته الأكاديمية؟

تستمد اللجان العلمية شرعيتها من نزاهة إجراءاتها واستقلالية قراراتها؛ ومن ثمّ يبدأ الإصلاح بإقرار فصل فعلي بين الإشراف والتقييم، يضمن عدالة القرار الأكاديمي ويصون الثقة به.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

هل كسبت رابطة الثانوي ثقة الأساتذة؟

  بوابة التربية- د.مصطفى عبد القادر: منذ سنة وقرابة الشهرين أي من 13/9/2025 موعد إنتخاب …