
بوابة التربية: بقلم: د. عدنان يعقوب*:
لم يُشرَّع التفرغ الأكاديمي في الجامعات ليكون امتيازًا وظيفيًا دائمًا، ولا مكافأة على سنوات الخدمة، بل ليكون أداة أساسية لتمكين الأستاذ الجامعي من أداء وظيفته الجوهرية: إنتاج المعرفة. غير أنّ ما نشهده اليوم في بعض مؤسسات التعليم العالي هو انحراف خطير عن هذا المفهوم، سواء من خلال قراءات إدارية مبتورة للقانون، أو من خلال ممارسات أكاديمية تُفرغ التفرغ من مضمونه العلمي.
فالقوانين الناظمة للتعليم العالي تميّز بوضوح بين متفرغ وغير متفرغ، ولا تعرف توصيفًا اسمه “متفرغ للتدريس” أو “متفرغ للبحث”، لأن اللقب العلمي بطبيعته يجمع بين الوظيفتين. التدريس ينقل المعرفة، أما البحث فيُنتجها، ولا جامعة بلا إنتاج معرفي. من هنا، فإن التفرغ الأكاديمي يعني تفرغًا كاملًا للمؤسسة الجامعية بوظائفها كافة، لا تفرغًا للجلوس في الصفوف أو مراكمة الساعات.
الإشكالية الأولى تكمن في بعض القرارات الإدارية التي تحاول فصل الواجب البحثي عن الحق المالي، عبر حجب التعويضات المالية المرتبطة بالتفرغ الأكاديمي عن الباحثين العاملين في المراكز البحثية، مع الاستمرار في مطالبتهم بإنتاج علمي دوري. هذا المنطق لا يفتقر فقط إلى العدالة، بل يناقض ذاته: إذ لا يمكن المطالبة بالبحث العلمي بوصفه واجبًا قانونيًا، ثم التعامل معه ماليًا كأنه نشاط ثانوي أو ترف اختياري.
لكن الإشكالية الثانية، وربما الأخطر، هي تلك التي نتحاشى غالبًا تسميتها: ممارسات بعض الأساتذة الذين يدخلون إلى التفرغ الأكاديمي، ثم يتوقفون عمليًا عن البحث العلمي، مكتفين باحتساب السنوات الوظيفية، وكأن التفرغ نهاية المسار الأكاديمي لا بدايته. هذا السلوك لا يسيء فقط إلى صورة الأستاذ الجامعي، بل يدمّر فكرة التفرغ من الداخل، ويقدّم الذريعة المثالية لكل من يريد الانقضاض على حقوق الهيئة الأكاديمية بحجة “غياب الإنتاج”.
لا يمكن الدفاع عن التفرغ الأكاديمي كحق جماعي، في حين يُفرّغه بعض المنتسبين إليه من محتواه العلمي. ولا يمكن المطالبة بحماية التعويضات المالية المرتبطة بالتفرغ، من دون قبول مبدأ المحاسبة العلمية الدورية. فالتفرغ ليس عقدًا زمنيًا، بل عقد إنتاج معرفي، يُقاس بما يُقدَّم من بحوث، لا بعدد السنوات التي تمرّ.
وعند النظر إلى التجارب المقارنة، ولا سيما نظام الجامعة اللبنانية، نجد أن الإشكالية ليست في ربط التفرغ بالأداء الأكاديمي، بل في ضعف آليات المتابعة والتقييم. فالنصوص موجودة، والبحث العلمي منصوص عليه كشرط للاستمرار والترقية، لكن التطبيق غالبًا ما يتساهل، فيتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتراكم العجز البحثي بصمت.
الإصلاح الحقيقي لا يكون بقطع الحقوق عن الجميع، ولا بتعميم الشك، ولا بإفراغ المراكز البحثية من دورها، بل بإرساء منظومة واضحة وصارمة للمساءلة الأكاديمية:
من يُنتج بحثًا يُكافأ، ومن يتقاعس يُحاسب، ومن يحوّل التفرغ إلى وضع إداري جامد لا بد أن يُسأل عمّا قدّمه للمؤسسة وللمعرفة.
إن معركة التفرغ الأكاديمي ليست معركة مالية فقط، بل معركة على هوية الجامعة ودورها. فإما جامعة تُنتج معرفة وتستثمر في عقول باحثيها، أو مؤسسة تعليمية خاوية تُدار بمنطق الموظفين لا العلماء. وفي هذا السياق، لا يجوز استخدام فشل بعض الممارسات لتبرير ضرب البحث العلمي، كما لا يجوز استخدام شعار “الحقوق المكتسبة” لتبرير الغياب الكامل عن الإنتاج المعرفي.
لا تفرغ بلا بحث، ولا بحث بلا حقوق، ولا جامعة بلا مساءلة علمية.
ومن دون هذا التوازن، سيبقى التعليم العالي يدور في حلقة مفرغة، يدفع ثمنها الباحث الجاد، وتدفع ثمنها الجامعة، ويدفع ثمنها المجتمع بأكمله.
*باحث وأستاذ جامعي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate