
بوابة التربية: كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
اولا : ان الحقوق الاقتصادية للأساتذة ليست مسألة تقنية تُقاس بجداول رواتب أو موازنات سنوية، بل هي، في جوهرها، تعبير عن موقع التعليم في سلّم القيم العامة، وعن طبيعة العلاقة بين الدولة ومن يصنعون وعيها الاجتماعي. فمنذ تشكّل الدولة الحديثة، ارتبطت حقوق المعلّمين ارتباطًا وثيقًا بفكرة العدالة الاجتماعية، وبمدى جدّية الأنظمة في ترجمة شعاراتها الديمقراطية إلى واقع ملموس.
في الفكر التربوي الحديث، اعتبر الفيلسوف الأميركي جون ديوي (John Dewey) أن التعليم ليس وظيفة إدارية، بل ممارسة ديمقراطية بحد ذاتها، وأن المعلّم يشكّل حجر الزاوية في بناء المواطن القادر على المشاركة الواعية في الشأن العام. ومن هذا المنطلق، فإن أي مساس بكرامة المعلّم المعيشية هو مساس غير مباشر بجودة الديمقراطية نفسها، لا بقطاع مهني معزول.
أما في علم الاجتماع، فقد كشف بيار بورديو (Pierre Bourdieu) كيف تعيد الدولة، عبر سياساتها العامة، إنتاج اللا مساواة داخل المؤسسات التي يُفترض أنها أدوات عدالة، وفي مقدّمها المدرسة. حينها، لا يصبح التفاوت الاقتصادي مجرد خلل مالي، بل آلية سلطة تُفرغ التعليم من دوره التحرّري وتحوله إلى أداة ضبط اجتماعي.
وفي الإطار الأوسع لنظرية العدالة، يربط الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سن (Amartya Sen) العدالة بقدرة الأفراد الفعلية على العيش بكرامة، لا بمجرد الاعتراف الشكلي بحقوقهم. فالحق الذي لا يُترجم إلى شروط حياة لائقة، يبقى حقًا ناقصًا، قابلًا للتأجيل، وربما للإنكار.
هذا المسار الفكري، الذي يمتد أيضًا إلى أعمال يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) في الربط بين الشرعية والعدالة التداولية، وإلى تحذيرات ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville) من استبداد الأكثرية، يضعنا أمام حقيقة واحدة:
الديمقراطية لا تُختبر بعدد الأصوات فقط، بل بقدرتها على حماية الحقوق الاجتماعية، وخصوصًا حقوق الفئات التي لا تمتلك أدوات ضغط صدامية.
ثانيا :من الإطار العام إلى الواقع اللبناني
في لبنان، تتخذ هذه الإشكالية بعدًا أكثر حدّة. فالحقوق الاقتصادية للأساتذة لا تُناقَش ضمن رؤية شاملة للعدالة الاجتماعية، بل غالبًا ما تُعالج كملف ظرفي، يُفتح تحت الضغط ويُقفل بالتسويف. تُدار المطالب ضمن منطق الانتظار، وتُحاصر بحسابات سياسية وتنظيمية لا تمت بصلة إلى جوهر الحق.
هنا، لا يظهر الخلل في غياب النصوص فقط، بل في طريقة تفعيلها، وفي كيفية توظيف الآليات الجماعية. فعندما تتحول الإجراءات التي يُفترض أن تعبّر عن الإرادة العامة إلى وسائل لتجميد المطلب، وعندما يُختزل النقاش في “الظرف” بدل الحق، نكون أمام ممارسة تُفرغ الديمقراطية من مضمونها الاجتماعي، من دون أن تعلن ذلك صراحة.
الأخطر من ذلك هو ما يحدث حين يُعاد ترتيب المصالح بشكل معكوس:
حين يُطلب من الأساتذة تقديم تنازلات باسم الاستقرار، أو تأجيل حقوقهم باسم التوازن، أو القبول بتفاوتات غير مبرّرة على أنها “ضرورات إدارية”. في هذه اللحظة، لا يُدار الملف التربوي كسياسة عامة، بل كأداة ضبط، تُستخدم فيها الإشارات الضمنية، والتفاوتات المقنّعة، وتعديل الحوافز، لإضعاف أي موقف جماعي متماسك.
هذا الأسلوب في الإدارة لا يحتاج إلى قرارات صدامية، بل يكتفي بتفتيت الموقف من الداخل، وترك المطلب يستهلك نفسه في دوّامة الانتظار. وهنا، تصبح الحقوق الاقتصادية مسألة أخلاقية بقدر ما هي قانونية، لأن ما يُمسّ ليس فقط مستوى الدخل، بل قيمة الدور التربوي في المجتمع.
ثالثا: بين التهذيب والإنكار
تعرف الدولة، كما يعرف المجتمع، أن الأساتذة يميلون إلى التعبير المنضبط، وإلى تجنّب الفوضى، وإلى احترام الأطر العامة. لكن المفارقة أن هذه السمات، بدل أن تُقابل بحماية إضافية، غالبًا ما تُفسَّر على أنها قابلية للتكيّف، أو استعداد للصبر غير المحدود.
وحين لا تُصان الكرامة الاقتصادية لمن يُفترض أنهم حماة المعرفة، فإن الرسالة التي تُبَثّ في العمق هي رسالة نزع قيمة: نزع لقيمة التعليم، وقيمة العمل التربوي، وقيمة الدور الاجتماعي الذي لا يُقاس بمنطق الربح والخسارة الآنية.
رابعا: الحق كمعيار للدولة
إنّ الحقوق الاقتصادية للأساتذة في لبنان ليست قضية فئوية، ولا نزاعًا مهنيًا معزولًا، بل مرآة تعكس طبيعة الدولة نفسها.
فالدولة التي تعترف بحقوق التعليم نظريًا، لكنها تؤجّلها عمليًا، إنما تكرّس فجوة بين خطابها وممارستها.
والديمقراطية التي تُحسن إدارة الآليات، لكنها تعجز عن حماية الجوهر الاجتماعي للحق، تصبح ديمقراطية ناقصة، مهما اكتملت أشكالها.
كما قال الفقيه الدستوري ليون دوغي (Léon Duguit)، فإن شرعية الدولة لا تقوم على السلطة، بل على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها. وفي هذا المعنى، فإن ضمان الحقوق الاقتصادية للأساتذة ليس منّة، ولا تسوية، بل شرط من شروط قيام الدولة بوظيفتها الأساسية.
من هنا، تُطرح هذه الحقوق لا كصوت احتجاج، بل كسؤال مبدئي:
أي دولة نريد؟
وأي قيمة نمنح للتعليم؟
وأي معنى نعطيه للديمقراطية حين تُختبر خارج النصوص؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يُكتب في البيانات، بل يُقاس في السياسات.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate