
بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب:
تلجأ الحكومات في فترات العجز المالي إلى توسيع القاعدة الضريبية أو رفع معدلات الضرائب لتعزيز الإيرادات العامة. ويُعد رفع ضريبة القيمة المضافة (VAT) من الخيارات الشائعة نظرًا لسهولة تحصيلها واتساع نطاقها. وفي سياق تمويل زيادة رواتب الأساتذة والمعلمين والعاملين في القطاع العام، يبرز التساؤل حول مدى ملاءمة هذه الأداة من منظور العدالة التوزيعية والاستقرار الاقتصادي. تهدف هذه الورقة إلى تحليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي لزيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة نقطة مئوية واحدة، مع التركيز على انعكاساتها التوزيعية، التضخمية، وأثرها على الطلب الكلي، وذلك استنادًا إلى الأدبيات الاقتصادية المعاصرة.
أولًا: الإطار النظري – ضريبة القيمة المضافة بين الكفاءة والعدالة
تُعتبر ضريبة القيمة المضافة من أكثر الضرائب كفاءة من حيث التحصيل والاستقرار الإيرادي، وقد أصبحت ركيزة أساسية في الأنظمة الضريبية الحديثة . إلا أن طبيعتها كضريبة على الاستهلاك تجعلها تُصنّف تقليديًا كضريبة تنازلية (Regressive Tax)، إذ يكون العبء النسبي منها أعلى على الأسر ذات الدخل المنخفض مقارنة بالأسر ذات الدخل المرتفع [1].
يعود ذلك إلى أن الأسر منخفضة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على الاستهلاك، في حين تتمكن الأسر الأعلى دخلًا من ادخار جزء أكبر من دخلها، وهو ما لا يخضع لضريبة الاستهلاك [2].
وبالتالي، فإن تمويل الإنفاق العام — بما فيه زيادة رواتب المعلمين — عبر ضرائب الاستهلاك قد يؤدي إلى تحميل عبء نسبي أكبر للفئات الأكثر هشاشة.
ثانيًا: العدالة التوزيعية وتمويل زيادة الرواتب في قطاع التربية
يُعد الاستثمار في التعليم ورفع رواتب المعلمين استثمارًا في رأس المال البشري، وهو عنصر أساسي للنمو الاقتصادي طويل الأجل [3]. غير أن تصميم آلية التمويل يؤثر في النتائج الاجتماعية المترتبة.
تشير الأدبيات إلى أن التوسع في ضرائب الاستهلاك دون سياسات تعويضية فعالة قد يؤدي إلى ارتفاع مؤشرات عدم المساواة، بما في ذلك معامل جيني [4].
كما توضح تحليلات صندوق النقد الدولي أن ضرائب الاستهلاك، رغم فعاليتها الإيرادية، قد تؤثر سلبًا على العدالة التوزيعية إذا لم تُرافق بتحويلات اجتماعية أو إعفاءات موجهة للسلع الأساسية [5].
وعليه، فإن تمويل زيادات الرواتب العامة عبر رفع ضريبة القيمة المضافة قد يؤدي إلى مفارقة توزيعية، حيث تتحمل الأسر محدودة الدخل جزءًا من كلفة تحسين أجور القطاع العام، رغم أنها الأقل قدرة على تحمل الأعباء الإضافية.
ثالثًا: الأثر التضخمي وتمرير الضريبة إلى المستهلك
تعتمد الآثار السعرية لزيادة ضريبة القيمة المضافة على درجة تمرير الضريبة إلى المستهلك (Tax Pass-Through). وتشير الدراسات التطبيقية إلى أن معدلات التمرير غالبًا ما تكون مرتفعة، خاصة في الأسواق ذات المنافسة المحدودة [6].
حتى وإن بدت زيادة نقطة مئوية واحدة محدودة، فإن أثرها التراكمي على سلة الاستهلاك قد يكون ملحوظًا، لا سيما في البيئات التي تعاني أصلًا من ضغوط تضخمية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز توقعات التضخم وإعادة تسعير السلع والخدمات بما يتجاوز الزيادة الاسمية في الضريبة.
رابعًا: الأثر على الطلب الكلي والنشاط الاقتصادي
يشكّل الاستهلاك الخاص مكونًا رئيسيًا في الناتج المحلي الإجمالي. ووفق النظرية الكينزية، فإن تقليص الدخل المتاح للأسر منخفضة ومتوسطة الدخل يؤدي إلى انخفاض في الميل الحدي للاستهلاك، ما ينعكس سلبًا على الطلب الكلي [3].
في حال تم تمويل زيادة رواتب المعلمين عبر ضرائب استهلاك تؤثر في قاعدة واسعة من السكان، فقد يحدث انتقال للدخل من القطاع الخاص إلى القطاع العام، مما قد يؤدي إلى:
١، انخفاض نسبي في الاستهلاك الخاص،
٢-تباطؤ النشاط التجاري،
٣- ضغوط إضافية على النمو في الأجل القصير
ويعتمد الأثر النهائي على كيفية استخدام الإيرادات الإضافية، ومدى كفاءتها في تعزيز الإنتاجية.
خامسًا: بدائل تمويلية أكثر توازنًا
تشير الأدبيات إلى أن تحقيق التوازن بين الكفاءة الإيرادية والعدالة الاجتماعية يتطلب تنويع أدوات السياسة المالية، بما يشمل [5]:
تعزيز الضرائب التصاعدية على الدخل والثروة،
مكافحة التهرب الضريبي وتحسين الامتثال،
اعتماد إعفاءات أو معدلات مخفضة للسلع الأساسية،
تقديم تحويلات نقدية مستهدفة للفئات الأكثر تضررًا.
بهذا الشكل يمكن تمويل زيادة رواتب الأساتذة والمعلمين — كأولوية تنموية — دون تعميق الاختلالات التوزيعية.
من هنا : تمثل زيادة رواتب المعلمين والعاملين في القطاع العام ضرورة اجتماعية وتنموية لضمان جودة التعليم والاستقرار المؤسسي. إلا أن اختيار أداة التمويل يحمل آثارًا اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى.
زيادة ضريبة القيمة المضافة توفر إيرادات سريعة ومستقرة، لكنها قد تؤدي إلى آثار توزيعية تضغط على الفئات ذات الدخل المحدود، وتؤثر في الطلب الكلي إذا لم تُصمم ضمن إطار إصلاحي شامل.
وعليه، فإن نجاح السياسة المالية لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات المحصلة، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وضمان أن تمويل الاستثمار في التعليم لا يأتي على حساب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
المراجع؛
- Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). Consumption Tax Trends 2020: VAT/GST and Excise Rates, Trends and Policy Issues. OECD Publishing; 2020.
- Lustig N. Fiscal Policy, Inequality, and the Poor in the Developing World. Brookings Institution Press; 2018.
- Blanchard O, Johnson DR. Macroeconomics. 7th ed. Pearson; 2017.
- Alvaredo F, Chancel L, Piketty T, Saez E, Zucman G. World Inequality Report 2018. Harvard University Press; 2018.
- International Monetary Fund (IMF). Fiscal Monitor: How to Mitigate Climate Change. IMF; 2019.
- Benedek D, De Mooij R, Keen M, Wingender P. Estimating VAT Pass-Through. IMF Working Paper. 2015;WP/15/214.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate