
بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
ليست أزمة التفرغ في الجامعة اللبنانية أزمة أساتذة يطالبون بتحسين أوضاعهم الوظيفية، كما يحلو للبعض أن يصورها، بل هي أزمة دولة تتردد في تنفيذ استحقاق أصبح مستحقًا قانونيًا وإداريًا ووطنيًا. وعندما تتحول السلطة من إدارة الحقوق إلى إدارة الانتظار، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زلنا أمام سلطة تمارس صلاحياتها، أم أمام إدارة تؤجل واجباتها؟
لقد أنشئت الجامعة اللبنانية لتكون الجامعة الوطنية للدولة اللبنانية، ولتكفل الحق في التعليم العالي على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، ولتؤدي دورها في إعداد الكفاءات التي تقوم عليها الإدارة العامة والقضاء والاقتصاد وسائر مؤسسات الدولة. ولم يكن المقصود أن تستمر هذه المؤسسة معتمدة، في الجزء الأكبر من رسالتها الأكاديمية، على أساتذة متعاقدين أثبتوا كفاءتهم العلمية والتزامهم الأكاديمي عبر سنوات طويلة، فيما يبقى استقرارهم الوظيفي معلقًا على قرار مؤجل، رغم استكمالهم الشروط القانونية والأكاديمية التي يقتضيها نظام الجامعة.
في القانون الإداري، تمتلك الإدارة سلطة تقديرية في اختيار الوسائل والتوقيت المناسبين لاتخاذ بعض القرارات، لكنها لا تمتلك حق تعطيلها إلى أجل غير مسمى. فالسلطة التقديرية ليست سلطة تعسفية، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتعليق الحقوق أو تجميد المراكز القانونية المكتملة شروطها. وعندما تستوفي الملفات جميع المتطلبات القانونية والأكاديمية والإدارية، يصبح استمرار التأخير خروجًا عن مقتضيات حسن سير المرفق العام، ويثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الإدارة لمبدأ المشروعية والأمن القانوني، الذي يفرض على الدولة أن تكون قراراتها قابلة للتوقع والتنفيذ ضمن مهلة معقولة، لا أن تبقى رهينة تبدل الأولويات أو الظروف السياسية والمالية.
ومن زاوية دستورية، فإن مبدأ المساواة لا يقتصر على منع التمييز بين المواطنين، بل يفرض أيضًا معاملة أصحاب المراكز القانونية المتماثلة معاملة متساوية. فإذا كان الأساتذة قد خضعوا للمعايير الأكاديمية والإدارية ذاتها، ويمارسون المهام الجامعية نفسها، فإن أي معالجة تقوم على التأجيل أو التجزئة أو المفاضلة بين ملفات متشابهة في طبيعتها، من دون مبررات قانونية موضوعية، تثير إشكالية حقيقية في مدى انسجامها مع مبدأ المساواة أمام المرافق العامة.
ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا في ظل الدورة الاستثنائية الحالية لمجلس النواب، حيث تتوالى اقتراحات القوانين الرامية إلى معالجة أوضاع فئات مختلفة من العاملين في القطاع العام، سواء عبر التسوية أو الإنصاف أو تحسين الأوضاع المالية والإدارية، وهو توجه يعكس حرصًا مشروعًا على تصحيح اختلالات الإدارة العامة. غير أن استمرار غياب ملف التفرغ عن سلّم الأولويات، رغم اكتمال عناصره القانونية والإدارية، يطرح تساؤلًا مشروعًا حول معايير ترتيب الاستحقاقات الوطنية، ولا سيما أن هذا الملف لا يتعلق بمنح امتيازات جديدة، بل باستكمال مسار قانوني وإداري طال انتظاره، وبحماية استمرارية المرفق الجامعي الوطني.
ويكتسب هذا الاستحقاق بعدًا قانونيًا إضافيًا بالنظر إلى صدور قرار مجلس الوزراء رقم 17 تاريخ 6/2/2026، الذي كرّس مبدأ استكمال ملف التفرغ، وحدد آلية تنفيذه عبر إصدار المراسيم الاسمية. ومن ثم، فإن النقاش لم يعد يدور حول استحداث حق جديد أو إنشاء التزام لم يكن قائمًا، بل حول استكمال تنفيذ قرار اتخذته السلطة التنفيذية نفسها. ومن المبادئ المستقرة في القانون العام أن الإدارة، متى اتخذت قرارًا نهائيًا وأنشأت مراكز قانونية مشروعة، تصبح ملزمة باستكمال مقتضياته ضمن مهلة معقولة، ولا يجوز أن يبقى التنفيذ معلقًا إلى أجل غير محدد بفعل اعتبارات مالية أو سياسية متبدلة، وإلا انتقصت الثقة المشروعة التي يجب أن تقوم بين المواطن والدولة، وأُفرغ مبدأ الأمن القانوني من مضمونه.
أما الذريعة المالية التي تتكرر في كل مناسبة، فلم تعد تصلح مبررًا لتعليق هذا الاستحقاق. فالدولة لا تستطيع أن تجعل من الضائقة المالية سببًا دائمًا لتعليق الحقوق أو تجميد استحقاقات المرافق العامة الأساسية، وإلا أصبح أي حق قابلًا للتأجيل كلما تعثرت المالية العامة. كما أن الاستناد إلى موقف الجهات المانحة، أو الادعاء بأنها لا تؤيد التفرغ أو لا تتحمل كلفته، لا ينشئ أي قيد قانوني على اختصاصات السلطات الدستورية اللبنانية، لأن تنظيم الوظيفة العامة وإدارة الجامعة اللبنانية يبقيان من صميم السيادة الوطنية، ولا يخضعان لإرادة الممولين أو أولوياتهم.
والأهم أن هذا الطرح يغفل حقيقة اقتصادية أساسية، وهي أن التفرغ ليس عبئًا ماليًا مستحدثًا، بل هو تنظيم قانوني لمورد بشري تعتمد عليه الجامعة اللبنانية منذ سنوات. فالأساتذة يمارسون التدريس والبحث والإشراف الأكاديمي بصورة فعلية، والدولة تستفيد من خدماتهم بصورة مستمرة، وبالتالي فإن تسوية أوضاعهم لا تنشئ مرفقًا جديدًا، بل تؤمن استقرار المرفق القائم وترفع كفاءته وتحصن استمراريته.
إن الجامعة اللبنانية ليست عبئًا على المالية العامة، بل هي أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة. والاستثمار في استقرار أساتذتها ليس نفقة جارية فحسب، بل استثمار في رأس المال البشري الذي تقوم عليه الإدارة العامة والقضاء والقطاع الصحي والاقتصاد والتعليم. والدول التي تخرج من الأزمات لا تبدأ بإضعاف جامعاتها الوطنية، بل تجعلها نقطة الانطلاق في إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدرتها التنافسية.
والواقع أن كلفة التأخير أصبحت أعلى بكثير من كلفة القرار نفسه. فكل سنة إضافية من الانتظار تعني مزيدًا من هجرة الكفاءات، ومزيدًا من إنهاك الجامعة اللبنانية، ومزيدًا من تراجع قدرتها على المنافسة، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى جامعة وطنية قوية أكثر من أي وقت مضى. إن خسارة الأستاذ الجامعي ليست خسارة وظيفة، بل خسارة خبرة علمية واستثمار وطني تراكم عبر سنوات طويلة.
واليوم، لم يعد السؤال ما إذا كان ملف التفرغ يستحق المعالجة، بل لماذا لا يزال هذا الاستحقاق مؤجلًا رغم اكتمال مقوماته القانونية والإدارية والأكاديمية. فكل يوم إضافي من التأخير يضع الدولة أمام مسؤولية متزايدة عن نتائج هذا التعطيل، ويحوّل الامتناع عن اتخاذ القرار من مجرد تأخير إداري إلى مساس فعلي بحسن سير المرفق العام، وبقدرة الجامعة اللبنانية على أداء رسالتها الوطنية
إن قضية التفرغ في الجامعة اللبنانية لم تعد تُختبر بميزان الكلفة المالية، بل بميزان قدرة الدولة على احترام قراراتها ومبادئها الدستورية. فالدولة التي تعجز عن استكمال تنفيذ قرار صادر عنها، رغم اكتمال شروطه القانونية والإدارية، لا تؤجل ملفًا وظيفيًا فحسب، بل تمسّ جوهر الثقة بالمؤسسات، وتضعف هيبة القانون، وتبعث برسالة مفادها أن الحقوق تبقى رهينة تبدل الأولويات لا سيادة القواعد القانونية.
أما إصدار مرسوم التفرغ، فلا يشكل منّة من أحد، ولا استجابة لمطلب فئوي، بل هو استكمال لالتزام قانوني ودستوري، وحماية للجامعة اللبنانية باعتبارها المرفق الأكاديمي الوطني الأول. وفي زمن إعادة بناء الدولة، لا يمكن حماية مؤسساتها من دون حماية الجامعة، ولا يمكن حماية الجامعة من دون حماية أساتذتها. ولذلك، فإن إصدار مرسوم التفرغ اليوم ليس انتصارًا لفئة، بل انتصار لفكرة الدولة نفسها.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate