الأحد , أغسطس 23 2026

تمهين التعليم:  استثمار تربوي وطني

 

 

 

بوابة التربية- كتبت نادين خزعل:

في ظل الأزمات المتلاحقة التي تضرب لبنان، وبموازاة تبدّل حاجات المجتمع وسوق العمل بسرعة، لم يعد من الممكن أن يبقى القطاع التربوي أسير الأساليب التقليدية في إعداد المعلمين وتطوير أدائهم. فالتعليم الذي يُراد له أن يصنع إنسان الغد، يحتاج قبل كل شيء إلى معلّم يمتلك أدوات الحاضر، ويستطيع أن يستشرف المستقبل.

من هنا تبرز أهمية تمهين التعليم في لبنان باعتباره مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء القطاع التربوي على أسس أكثر مهنية وكفاءة واستدامة، بحيث لا يعود التعليم مجرد وظيفة يؤديها صاحب اختصاص، ويتعدى هذا التوصيف ليصبح مهنة لها شروطها ومعاييرها وأخلاقياتها ومساراتها الواضحة للتأهيل والتطور والتقييم.

فماذا يعني مفهوم تمهين التعليم؟

تمهين التعليم اصطلاحًا هو أن يصبح الانتماء إلى مهنة التعليم قائمًا على منظومة متكاملة تبدأ من الإعداد الأكاديمي والتربوي، ولا تنتهي عند الحصول على الشهادة أو دخول الصف.

فالمعلم المهني هو الذي يمتلك المعرفة في اختصاصه، والكفايات التربوية، والقدرة على إدارة الصف، وفهم حاجات المتعلمين النفسية والتعليمية، واستخدام التكنولوجيا، وتوظيف أدوات التقييم، والتعامل مع الفروق الفردية، ومواكبة التحولات المتسارعة في المعرفة.

وهو أيضًا المعلم الذي لا يعتبر نفسه قد أنهى تعلّمه بمجرد دخوله المدرسة، بل يدرك أن تطويره المهني جزء أساسي من مهنته.

إن هذا المبدأ وإن كان ما زال في الإطار النظري دون تطبيق فعلي، إلا أنه ليس غريبًا عن التصور الرسمي للتربية في لبنان؛ إذ تنص أطر السياسة التربوية لوزارة التربية والتعليم العالي على تعزيز مهنة التعليم وإنصاف المعلم ماديًا ومعنويًا، وعلى تطوير مناهج إعداد المعلمين وبرامج تدريبهم وتأهيل المعلمين في القطاعين الرسمي والخاص.

من هنا تبرز أهمية حاجة لبنان إلى تمهين التعليم لأن الأزمة التربوية لم تعد مرتبطة فقط بالمناهج أو الأبنية المدرسية أو الإمكانات المالية، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بجودة العملية التعليمية نفسها، وبقدرة المعلم على التعامل مع واقع شديد التعقيد.

فالمعلم اللبناني اليوم يواجه صفوفًا أكثر تنوعًا، وتلامذة يعيشون ظروفًا اجتماعية واقتصادية ونفسية صعبة، إلى جانب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتغير طرق اكتساب المعرفة.

وقد أظهرت مراجعات لجودة التعليم في لبنان تحديات في بعض الممارسات الصفية، من بينها ضعف الدعم التعليمي، والاعتماد على التلقين، ومحدودية تنمية التفكير الأعلى، والحاجة إلى تطوير التخطيط والتقييم التكويني؛ الأمر الذي يجعل التطوير المهني المستدام للمعلمين عنصرًا أساسيًا في أي إصلاح تربوي جدي.

أما على مستوى التدريب، فالمشكلة ليست في غياب الدورات التدريبية في لبنان، فهناك برامج ومبادرات متعددة لتدريب المعلمين، لكن التحدي الحقيقي يكمن في نوعية التدريب، واستمراريته، ومدى ارتباطه بالحاجات الفعلية للمعلم، وقدرته على الانتقال من قاعة التدريب إلى غرفة الصف.

ومعظم الدراسات حول واقع التطوير المهني لمعلمي المدارس الرسمية في لبنان على سبيل المثال تشير  إلى وجود فجوات، أبرزها ضعف التنسيق بين الجهات المعنية بالتطوير، وغياب التقييم العلمي الكافي للتدريب، وضعف المتابعة بعد انتهاء البرامج التدريبية.

هذا بالإضافة إلى أن التدريب حين حسّن الأداء بصورة جزئية، لكنه واجه فجوة بين محتوى البرامج وتوقعات المعلمين، ناهيك عن الصعوبات في اكتساب المهارات وتطبيقها، ما يؤكد ضرورة ربط التدريب بحاجات المعلمين الفعلية واعتماد آليات تقييم مستمرة.

وهذا يعني أن المطلوب ليس «دورة تدريبية» تنتهي بشهادة، بل مسار مهني متكامل يرافق المعلم طوال حياته الوظيفية.

وعلى صعيد آخر، لا يمكن أن نطالب المعلم بالمهنية من دون أن نوفر له البيئة التي تسمح له بأن يكون مهنيًا.

فالتمهين الحقيقي يجب أن يترافق مع تحسين ظروف العمل، وتأمين الاستقرار الوظيفي، وتوفير فرص التطوير، وإعطاء المعلم مساحة للمبادرة والإبداع، وربط التقدم المهني بالكفاءة والإنجاز، لا بالأقدمية وحدها.

كما يجب أن يكون لإدارات المؤسسات التربوية دور أساسي في هذا المسار، بحيث لا تكون عملية التطوير المهني قرارًا مركزيًا منفصلًا عن الواقع، بل تنطلق أيضًا من حاجات كل مدرسة وكل فريق تربوي.

ولذلك فإن نجاح أي  خطط تربوية يجب أن  يستند إلى تدريب المعلمين وإلى احتياجاتهم الفعلية، وأن يترافق مع تحسين ظروف التدريس والمواد التعليمية والقيادة المدرسية وفرص الترقية، إلى جانب اعتماد قياس مستمر لجودة التدريب.

هنا يبرز السؤال: ما انعكاس تمهين التعليم على القطاع التربوي؟

في الواقع، الانعكاس الأساسي سيكون رفع جودة التعليم، إذ سيصبح المعلم أكثر قدرة على التخطيط والتقييم واستخدام التكنولوجيا وإدارة الصف وتحفيز التفكير النقدي، وسينعكس ذلك مباشرة على تجربة المتعلم وعلى مخرجات المدرسة.

إلى ذلك،  سيساهم التمهين في تعزيز مكانة المعلم الاجتماعية والمهنية، فالمهنة التي تملك معايير واضحة للانتساب والتطور والتقييم تصبح أكثر احترامًا وجاذبية، ويصبح المعلم شريكًا أساسيًا في صناعة السياسات التربوية لا مجرد منفذ لها.

أيضًا، الانعكاس سيبرز في تحقيق عدالة تربوية أكبر، إذ إن وجود معايير مهنية موحدة للتأهيل والتطوير يساعد على تقليص الفوارق في نوعية التعليم بين مدرسة وأخرى، وبين منطقة وأخرى، وبين القطاعين الرسمي والخاص.

أما الانعكاس الرابع فهو القدرة على مواكبة المستقبل،  فالمدرسة التي تريد أن تهيئ طلابها لعالم الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لا تستطيع أن تفعل ذلك بمعلم لم تُتح له فرصة التعلم المستمر.

وما تجدر الإشارة إليه، هو تماهي الاحتياجات بين القطاعين الرسمي والخاص، فتمهين التعليم يجب ألا يكون مشروعًا خاصًا بالمدارس الرسمية وحدها، ولا بالقطاع الخاص وحده.

فالمعلم في المدرسة الرسمية والمعلم في المدرسة الخاصة كلاهما جزء من منظومة تربوية وطنية واحدة، وأي إصلاح جدي يحتاج إلى معايير مهنية واضحة تشمل الجميع، مع مراعاة خصوصية كل قطاع.

كما أن الجامعات وكليات التربية والنقابات والمدارس ووزارة التربية والمركز التربوي للبحوث والإنماء وغيرهم من الجهات المعنية  يجب أن تتحول إلى أطراف متكاملة في هذا المشروع، بدل أن يعمل كل طرف في مسار منفصل.

إذًا، التمهين الحقيقي يحتاج إلى شراكة وطنية تربوية،وقد يكون من المفيد للبنان أن يناقش بجدية فكرة الانتقال التدريجي نحو نظام مهني أكثر وضوحًا للمعلمين، يقوم على معايير للكفايات، وتأهيل قبل الخدمة، وفترة إدماج ومتابعة للمعلم الجديد، وتطوير مهني مستمر، وتقييم مهني موضوعي، ومسارات للترقي والتخصص والقيادة التربوية.

إن الهدف ليس تحويل المعلم إلى موظف يخضع للامتحان المستمر، بل مساعدته على اكتشاف نقاط القوة والضعف لديه، ومنحه الفرص والأدوات التي تمكنه من التطور وهنا يصبح التقييم وسيلة للتطوير لا أداة للعقاب.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الحديث عن تمهين التعليم عن كرامة المعلم.فالمعلم الذي يشعر أن مهنته غير مقدّرة، وأن جهده لا ينعكس على مستقبله المهني، وأن التطوير المطلوب منه لا تقابله سياسات داعمة، يصعب أن نطالبه وحده بصناعة مدرسة حديثة.

لذلك فإن تمهين التعليم يجب أن يكون جزءًا من رؤية أوسع لإصلاح القطاع التربوي، تتضمن تحسين شروط العمل، وإعادة الاعتبار إلى المدرسة، وتطوير الإدارة المدرسية، ودعم المعلم ماديًا ومعنويًا، وتأمين التدريب المستمر، وإيجاد آليات واضحة للتقييم والترقية.

في الخلاصة، إن تمهين التعليم في لبنان لا تمكن مقاربته كمشروع إداري، أو عنوان تقني، أو مجرد سلسلة دورات تدريبية، لأنه مشروع متكامل سيعيد بناء الثقة بالتعليم والمعلم والمدرسة.

فإذا أردنا مدرسة قادرة على مواجهة أزمات لبنان، وتحديات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، علينا أولًا أن نعيد بناء الإنسان الذي يعلم،وهنا، لن يبقى المعلم حلقة في سلسلة تعليمية فحسب؛ لأنه سيكون الحلقة التي تتصل بها كل الحلقات الأخرى. ولهذا، فإن الاستثمار في تمهين التعليم هو في جوهره استثمار في الإنسان، وفي المدرسة، وفي المجتمع، وفي مستقبل لبنان كله.

بناء عليه، يجب تغيير السؤال من: “هل يستطيع لبنان أن يمهّن التعليم”؟ إلى: “هل يستطيع لبنان أن يتحمل كلفة عدم تمهين التعليم؟”

والجواب، في ظل التحديات التي يعيشها القطاع التربوي، يبدو واضحًا: إن إصلاح التعليم يبدأ من المعلم، وتمكين المعلم يبدأ من الاعتراف بالتعليم بوصفه مهنةً لها مكانتها ومعاييرها ومسؤولياتها ومسارها المهني الواضح.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

التفرغ في اللبنانية: استثمار وطني في البحث العلمي ومكانة الجامعة لا مطلب فئوي

      بوابة التربية- كتب د. مصطفى راغب*: لا يمكن مناقشة مستقبل الجامعة اللبنانية …