
بوابة التربية- علي سري الدين:
مشكلة التعليم في لبنان، باختصار، هي مشكلة سياسية بكل ما للكلمة من معنى.
فمنذ سنوات، ونحن نشهد إمعانًا في إضعاف التعليم الرسمي، وكأن الغاية هي إضعاف إحدى أهم مقومات قيام وطنٍ جامع، لا تقوم فيه قيامة الإقطاع السياسي ولا يستمر فيه تحكّم الطوائف ومصالحها.
نعم، قد يكون كلامي صريحًا إلى هذا الحد، لأن التجربة الطويلة في التربية والتعليم تجعلنا نتساءل: كم مرة طالبنا بإلغاء منح التعليم لموظفي الدولة في مختلف قطاعاتها، أو بإعادة النظر فيها بما يحقق العدالة ويحفظ المال العام؟
وكم مرة رفعنا الصوت مطالبين بإلغاء نظام المدارس شبه المجانية، الذي تستفيد منه في غالبيته مدارس تابعة لجهات طائفية، وتتحمل الدولة أعباءه من المال العام؟
وبربكم، ماذا يستفيد النائب أو الوزير من الإبقاء على مدارس لا يتجاوز عدد تلامذتها عشرات قليلة، بدل العمل على دمجها ضمن مؤسسات تربوية قادرة على تقديم تعليم أفضل وأقل كلفة؟ أليس من حقنا أن نسأل عن الهدر الناتج عن وجود مدارس يقل عدد تلامذتها عن مئة تلميذ في المرحلة الابتدائية، وعن مئتي تلميذ في المرحلة الثانوية؟
لقد عشتُ بنفسي مرحلة كان فيها التعليم الرسمي قادرًا على استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب. فقد تعلمتُ في المرحلة الثانوية الأولى في ثانوية الأشرفية الرسمية للصبيان عام 1970، إذ لم تكن يومها ثانويات رسمية قريبة من مكان إقامتي. وكان عدد طلاب الثانوية يومها يقارب ثمانمئة طالب موزعين على صفوف المرحلة الثانوية.
فماذا حدث للتعليم الرسمي منذ ذلك الزمن؟
لماذا أصبح تفريع المدارس وفتح المؤسسات التربوية، أحيانًا، خاضعًا للاعتبارات السياسية والمناطقية والطائفية بدل أن يكون محكومًا بالحاجة التربوية الفعلية؟
إن إضعاف التعليم الرسمي ليس خطأً عابرًا، ولا قضية إدارية بسيطة؛ بل هو مساس بمستقبل الوطن وأبنائه، ويحق كل طفل لبناني في تعليم رسمي جيد، متاح وعادل.
حرام، ثم حرام، أن يستمر الهدر في قطاعٍ يفترض أن يكون أساس بناء الإنسان والوطن. وأقولها بمرارة: إن إصلاح التعليم يحتاج إلى قرارٍ وطني شجاع، وإلى مسؤولين يضعون المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
أعان الله كل وزير ومسؤول يؤمن بأن التربية رسالة، وأن المدرسة الرسمية ليست عبئًا على الدولة، بل هي أحد أعمدتها الأساسية.
وأعان الله كل مؤمن بالعمل من أجل الشأن العام، في زمنٍ تضيق فيه بعض الزواريب السياسية عن استيعاب العقول النيّرة والرؤى الوطنية الواسعة.
التعليم الرسمي هو مدرسة الوطن، وحين تضعف المدرسة الرسمية، يضعف الوطن.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate