الأربعاء , أكتوبر 14 2026

ماذا نخسر حين تتراجع دراسة الآداب والعلوم الانسانية؟

 

بوابة التربية- د. دالية خريباني:

في قاعات تدريس الأدب الفرنسي، لا نتحدث عن قواعد اللغة ولا نتوقف عند التسلسل التاريخي للمدارس الأدبية فقط. ما نفعله في الجوهر هو تدريب يومي على النقد. فالقراءة النقدية تعلمك ألا تصدق ما تراه، وألا تسلم بكل ما يُملى عليك. ومن يتعود على هذا النوع من التفكير يكتشف سريعاً أنه بات عاجزاً عن ممارسة النفاق الفكري، أو السير الهادئ خلف ما يقرره السائد.

الأدب لم يكن يوماً ترفاً، ولا وسيلة لقتل الوقت. إنه خط الدفاع الأول عن إنسانيتنا. ولعل هذا ما يفسر الدور المحوري الذي لعبته كليات الآداب عبر التاريخ؛ فلم تكن مجرد مبانٍ تمنح الشهادات، بل كانت المصنع الحقيقي للوعي الحر. منها خرج طه حسين ليصدم الجمود الفكري في الشرق، ومن مدرجاتها صاغ سارتر فلسفته التي ربطت بين القلم والمسؤولية الأخلاقية المباشرة للإنسان عن حريته ومواقفه. كما أسهم الأدباء  كفولتير وروسو ومونتسكيو، في تهيئة المناخ الفكري للثورة الفرنسية، عبر نقد الاستبداد والدفاع عن الحرية والمساواة والقانون.

لكن المأساة التي نعيشها اليوم داخل مؤسساتنا التربوية نراها بوضوح في هذا التراجع الحثيث والمقصود للاهتمام بالعلوم الإنسانية. لم يأتِ هذا التراجع بالصدفة؛ إنه نتاج منطق نفعي طغى على كل شيء. واختزال دراسة الآداب في سؤال واحد: “ما المردود المالي؟” محزن، وكأن قيمة الإنسان تقاس فقط بمدى قدرته على الانتاج المادي.

يُضاف إلى ذلك خوف غير معلن من العقل النقدي. المؤسسات التي تقوم على الوصاية تعشق التكنوقراطي المطيع؛ ذلك الذي ينفذ مهامه  دون أن يخطر بباله أن يسأل: “لماذا؟”. بينما الأدب والفلسفة، يرسّخان في الإنسان شجاعة التفكير الحر. ولعلّ ما يجعل الأدب مزعجا في بعض البيئات، هو “التمرد” على السائد، لأن الذي تأثر فعلا بالأدب يجد صعوبة في مسايرة ما يتعارض مع قناعاته.

ثم تأتي ثقافة السرعة والاستهلاك الفوري لتستكمل المشهد، فتضعف القدرة على القراءة المتأنية والصبر على تفكيك النص المركب.

إن تقزيم أبعاد الأدب والفلسفة ليس مجرد تعديل في المناهج أو الميزانيات، بل هو مساس مباشر بحق الإنسان في أن يفكّر ويختلف. قد لا يغير الأدب الوطن بكبسة زر، لكنه يمنع تدجين العقول. ومن ذاق طعم الحرية في نص، يظل عصياً على الخضوع مهما تأنقت أشكال السيطرة.

*رئيسة قسم اللغة الفرنسية وآدابها-الفرع الخامس- الجامعة اللبنانية.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

الأقساط المدرسية بين ثقافة الالتزام ومعركة الاستنزاف

    بوابة التربية: نادين خزعل   مع بداية كل عام دراسي، يتحول القسط المدرسي …