الأحد , أكتوبر 25 2026

التفرّغ في الجامعة اللبنانية: تصفية الحقوق تستوجب وضوحًا وضمانات

 

 

بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:

أعاد اشتراط تصفية حقوق الأساتذة العاملين في القطاع العام قبل إقرار تفرّغهم في الجامعة اللبنانية طرح مسألة أساسية: كيف ينتقل الأستاذ إلى وضعه الجامعي الجديد، وما مصير سنوات خدمته السابقة وحقوقه المالية والتقاعدية؟

فبحسب المقرّرات المنشورة لجلسة مجلس الوزراء في 22 تشرين الأول 2026، طُلبت تصفية حقوق الموظفين المشمولين بالتفرّغ قبل إقراره. لكنّ الصيغة المنشورة لا توضّح المقصود بالتصفية، ولا تحدّد أثرها على إمكان ضمّ الخدمات لاحقًا، الأمر الذي يستدعي تفسيرًا رسميًا قبل التنفيذ.

تبدأ مقاربة القضية بالتمييز بين إنهاء العلاقة الوظيفية السابقة، وتسوية المستحقات الناشئة عنها، واحتساب سنوات الخدمة ضمن المسار الوظيفي اللاحق. فهذه مسائل مختلفة، وإن ارتبط بعضها ببعض. لذلك، فإنّ ضرورة تسوية انتقال الأستاذ إلى الجامعة لا تكفي وحدها لتحديد مصير حقوقه أو للقول إنّ التصفية تُلغي خدمته السابقة أو تحفظها تلقائيًا.

وتنظّم المادة التاسعة من القانون رقم 717 تاريخ 5 تشرين الثاني 1998، وتعديلاتها، ضمّ خدمات سابقة إلى الخدمة اللاحقة في الملاكات الدائمة الخاضعة لنظام التقاعد، ضمن شروط محدّدة. وهنا ينبغي الانتباه إلى أنّ التفرّغ والتعيين في الملاك الدائم مرحلتان مختلفتان قانونيًا؛ فلا يجوز افتراض أنّ إقرار التفرّغ يتيح فورًا تطبيق جميع أحكام ضمّ الخدمات، كما لا يجوز اعتبار التصفية مانعًا نهائيًا من الضمّ من دون مراجعة النصوص المنطبقة على الحالة المعنيّة.

وقد تناول القانون رقم 52 تاريخ 7 أيلول 2017 احتساب المحسومات التقاعدية عن فترات التعاقد بالتفرّغ والتدريس بالساعة في الجامعة اللبنانية، وفق قواعد وشروط محدّدة. ويؤكّد ذلك أنّ احتساب الخدمة السابقة مسألة تشريعية تفصيلية، تستوجب دراسة الوضع القانوني لكلّ أستاذ، ولا تُختزل بإجراء إداري عام.

أما تفسير الشرط بأنّه وسيلة لمنع ارتفاع رواتب الأساتذة، فيحتاج إلى تدقيق. ضمّ سنوات الخدمة لأغراض التقاعد لا يعني تلقائيًا تحويلها إلى درجات ترفع الراتب الجامعي. فاحتساب المعاش التقاعدي، وتحديد الراتب، والاعتراف بالأقدمية مسائل تحكمها نصوص قد تختلف في شروطها وآثارها. وبالتالي، لا يصحّ الخلط بين كلفة الراتب خلال الخدمة وكلفة الحقوق المستحقّة عند انتهائها.

اقتصاديًا، قد تؤدّي طريقة معالجة الخدمة السابقة إلى تغيير الالتزامات المالية المستقبلية على الدولة. لكنّ القول إنّ هذا هو الهدف الفعلي من الشرط يبقى فرضية تحليلية؛ فالنص المنشور لا يعلن أنّ الغاية خفض الرواتب أو المعاشات التقاعدية. كذلك، قد تستلزم التصفية دفع مستحقات فورية، ما يجعل تقدير الوفر المالي، إن وُجد، مرتبطًا بمقارنة واضحة بين البدائل وكلفتها عبر الزمن.

والأكثر إلحاحًا هو توقيت الإجراء. فاشتراط التصفية قبل إقرار التفرّغ يطرح سؤالًا عن الضمانات المتاحة للأستاذ إذا أنهى خدمته السابقة ثم تأخّر إقرار تفرّغه أو تعثّر. ومن مقتضيات الإدارة السليمة أن تُنسّق الإجراءات بما يضمن وضوح تاريخ الانتقال، واستمرارية الدخل والتغطية وفق الأحكام النافذة، وتحديد المسؤولية عن أيّ فترة فاصلة.

وتحضر المساواة هنا باعتبارها مساواة بين الحالات القانونية المتماثلة. فاختلاف وضع الأستاذ الموظف عن غير الموظف قد يبرّر اختلاف بعض الإجراءات، لكنّه لا يعفي الإدارة من بيان أسبابها واحترام الحقوق المقرّرة قانونًا. وهذا ينسجم مع مبدأ المساواة أمام القانون ومع ربط تولّي الوظائف العامة بالشروط القانونية والاستحقاق والجدارة، وفق المادتين السابعة والثانية عشرة من الدستور اللبناني.

لذلك، ينبغي أن يسبق التنفيذ توضيح رسمي يحدّد سند التصفية وآليتها وآثارها، ويميّز بين انعكاساتها على الراتب والتعويضات والتقاعد وإمكان ضمّ الخدمات. كما ينبغي تمكين كلّ أستاذ من الاطّلاع على بيان فردي يوضّح مستحقاته والتزاماته والخيارات القانونية المتاحة له.

إنّ ضبط الإنفاق العام مسؤولية مشروعة، لكنّ تقييمه يحتاج إلى أرقام وآليات معلنة. وحفظ حقوق الأساتذة يحتاج بدوره إلى تطبيق دقيق للقانون وضمانات انتقال واضحة. فلا تُحسم القضية بالقول إنّ الرواتب ستصبح مرتفعة، ولا بافتراض أنّ كلّ تصفية تعني خسارة الحقوق؛ بل بتحديد ما سيُدفع اليوم، وما سيُحتسب غدًا، وعلى أيّ أساس قانوني.

*باحث

المراجع

 

  1. مقرّرات جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 22 تشرين الأول 2026، شرط تصفية حقوق الموظفين المشمولين بالتفرّغ، وفق النص المنشور إعلاميًا.
  2. القانون رقم 717 تاريخ 5 تشرين الثاني 1998، المادة التاسعة وتعديلاتها، بشأن ضمّ الخدمات والمحسومات التقاعدية.
  3. القانون رقم 52 تاريخ 7 أيلول 2017، المعدّل للمادة التاسعة من القانون رقم 717، بشأن المحسومات التقاعدية لأفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية.
  4. الدستور اللبناني، المادتان 7 و12، النسخة المنشورة على موقع مجلس النواب.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

طرابلسي يبارك لمتعاقدي اللبنانية ويسأل: هل ارتفاع المجموع وفق حاجات الجامعة الفعلية؟

    بوابة التربية: بارك مقرر لجنة التربية النيابية الدكتور إدكار طرابلسي، للاساتذة المتعاقدين مع …