
بوابة التربية: وجّه مديرو الثانويات الرسمية في لبنان مذكرة وتوصية إلى وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، أبديْ فيها حرصهم على دعم التوجهات الإصلاحية للوزارة، محذرين في الوقت ذاته من الآثار السلبية لتطبيق الإجراءات التنظيمية المستجدة المتعلقة بدمج الشعب والتشعيب وترشيد أعداد النظار في منتصف العام الدراسي.
وأشار البيان إلى أن الدمج غير المدروس للشعب قد يودي إلى اكتظاظ الغرف الصفية، ويؤثر سلباً على جودة التعليم وقدرة المعلم على مراعاة الفروق الفردية. كما لفتوا إلى أن تحديد أعداد النظار بناءً على معيار عددي بحت يتجاهل حجم المهام المتعددة والمتزامنة الملقاة على عاتقهم.
وعلى صعيد التوقيت، شدد المجتمعون على أن إدخال تعديلات جوهرية بعد مرور نحو شهرين على انطلاق العام الدراسي واستقرار الجداول قد يربك انتظام العمل ويعيق جهود الإدارات الموجهة نحو التحصيل العلمي والتقييم.
وجاء في المذكرة:
ليس يسيراً أن تُحمل أمانة التربية في وطن تتزاحم فيه الأزمات، وتتداخل فيه التحديات، وتثقل كاهل مؤسساته أعباء تتجاوز حدود الإمكانات المتاحة. وإنَّنا، إذ نثمن ما تبذلونه من جهود في سبيل إعادة الانتظام إلى قطاع التعليم الرسمي، وما تعكسه توجهاتكم من إرادة إصلاحية تسعى إلى ترشيد الموارد، وتوحيد المعايير، وإرساء إدارة تربوية أكثر فاعلية، نؤكد أنَّ هذه الغايات تشكل تطلعاً مشتركاً يجمعنا بكم، وأنَّ الثانوية الرسمية تستحق كل جهد يُبذل للنهوض بها واستعادة مكانتها.
ومِنْ هذا المنطلق، نتوجه إليكم بهذه الرسالة لا مِنْ موقع الاعتراض على مبدأ الإصلاح، بل من موقع الحرص على نجاحه وإيماناً منا بأن القرار التربوي يزداد رسوخاً حين يستند إلى معطيات الميدان، ويأخذ في الاعتبار خصوصية المؤسسات التي يُُرادُ لَهُ أَنْ يُطْبَقَ فيها.
معالي الوزيرة،
لقد تابعنا باهتمام الإجراءات المتعلقة بدمج الشعب، وإعادة النظر في معايير التشعيب، وتنظيم أعداد النظارِ، كَمَا نُثَمَنُ مبادرتكم إلى طلب بيانات تفصيلية من الثانويات الرسمية حول أعداد التلامذة والغرف الصفية ومساحاتها وقدراتها الاستيعابية. وقد بادرت الإدارات إلى إعداد هذه البيانات ورفعها، واضعةً أمام وزارتكم صورةً واقعيةً عن إمكانات كل مؤسسة وحدود قدرتها الاستيعابية.
وإذ نرى في هذه الخطوة مقاربة مسؤولةً تستند إلى الواقع لا إلى الأرقام المجردة، فإنَّنا نأمل أن تُعتمد هذه البيانات مرجعاً أساسياً في تحديد آليات التطبيق؛ فالثانويات ليست أبنيةً متطابقةً، وما يُمكن تنفيذه في مؤسسة ذات مساحات واسعة قد يتعذر في أخرى تُعاني محدودية الغُرف وضيق المساحات.
إِنَّ دمج الشعب لا يعني مُجرد جمع أعداد التلامذة، بل قد يُؤدي إلى اكتظاظ الغُرف الصفية، بما ينعكس على جودة التعليم، وقدرة المعلم على متابعة المتعلمين، ومراعاة الفروق الفردية، وضبط الصف، وتأمين بيئة تربوية سليمة تتوافق مع متطلبات التعليم الحديث.
كما أن تحديد أعداد النظار لا ينبغي أن يستند إلى المعيار العددي وحده، بل إلى طبيعة الأبنية وتوزيع مرافقها والحاجات الفعلية للإشراف اليومي، بما يضمن سلامة التلامذة وانتظام الحياة المدرسية. كما يستوجب التوقف عند طبيعة المهام المتعددة والمتزامنة الملقاة على عاتقهم؛ فمتابعة شؤون 125 تلميذاً، والإشراف على انتظامهم، ومراقبة الممرات والساحات والمرافق، وضبط الحركة بين الحصص، ومواكبة الحالات الطارئة، ليست مسؤوليات شكلية أو قابلة للاختزال في مجرد نسبة عددية، بل تتطلب حضوراً ميدانياً متواصلاً وقدرة فعلية على المتابعة. وإن تحميل الناظر هذا الكم مِنَ المسؤوليات حتماً سيحد من فاعلية الإشراف، ويفتح المجال أمام التقصير غير المقصود في بعض المهام، ما يضطر الإدارة إلى التدخل لتغطية النقص ومتابعة الأعمال التي يفترض أن تتولاها النظارة، على حساب مهامها الإدارية والتربوية الأساسية. وهكذا، فإنَّ أي ترشيد في أعداد النظار ينبغي ألا يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى إرباك العمل الإداري أو الانتقاص مِنْ جُودة الإشراف وسلامة التلامذة.
أما التوقيت، فيشكل تحدياً لا يقل أهميةً عَنْ مضمون الإجراءات نفسها.
فالثانويات الرسمية انطلقت في عامها الدراسي الحالي منذ نحو شهرين، واستقرت على توزيع شعبها وبرامجها وأعبائها التعليمية والإدارية، وبدأت مرحلة تقييم السعي الأول. وإنَّ إدخال تعديلات جوهرية في هذه المرحلة قد يربك انتظام العمل، ويستدعي إعادة ترتيب الجداول وتوزيع التلامذة والمعلمين، في وقت يفترض أن تتجه فيه جهود الإدارات إلى متابعة التحصيل العلمي والتقييم التربوي.
معالي الوزيرة،
إنَّنا لا نُطالب بإلغاء الإجراءات التنظيمية، ولا نعترض على أهدافها الإصلاحية، بل نلتمس منحها الظروف الملائمة التي تكفل نجاحها واستدامتها. فليس كل تأجيل تعطيلا للإصلاح، كما أنه ليس كل تطبيق فوري ضمانةً لنجاحه؛ إذ قد يكون التدرج في التنفيذ عنواناً للحكمة، وأحد أهم شروط بلوغ الغايات المنشودة.
وعليه، نتطلع إلى توجيهاتكم الكريمة في:
- اعتماد البيانات التي رفعتها الثانويات أساساً لتقييم قدرتها الفعلية على تطبيق إجراءات الدمج والتشعيب.
- مراعاة الخصوصية الهندسية والاستيعابية لكل ثانوية، واعتماد المعالجات المناسبة للحالات التي يتعذر فيها التطبيق.
- تعليق تطبيق الإجراءات التي تستلزم إعادة توزيع الشعب ودمجها خلال ما تبقى مِنَ العام الدراسي الحالي، حيثما تقتضى الظروف ذلك.
- إرجاء تطبيقها إلى مطلع العام الدراسي المقبل، بعد استكمال دراسة البيانات وتأمين الشروط المكانية والتربوية والإدارية اللازمة.
معالي الوزيرة،
إِنَّنا نؤمن بأنَّ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بمدى سرعة تطبيق القرارات، بل بمدى قدرتها على إحداث التغيير المنشود دون أن تُربك المؤسسات التي وضعت من أجل النهوض بها. والإصغاء إلى صوت الميدان ليس تراجعاً عَنِ الإصلاح، بل تحصيناً له، والاستجابة لمتطلبات الواقع ليست إضعافاً للقرار، بل تعزيزاً لفرص نجاحه.
نضع ثقتنا بحكمتكم وحرصكم على أن يبقى المتعلم في قلب كل قرار تربوي، آملين أن يحظى طلبنا بعنايتكم الكريمة، وأن يُشكل التدرج في التنفيذ مدخلاً لتحقيق رؤيتكم الإصلاحية على أسس أكثر ثباتاً واستقراراً.
وتفضلوا، معاليكم بقبول فائق الاحترام والتقدير.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate