
بوابة التربية- كتبت مريم يوسف الصلح*:
أمام الإمعان الرسمي في سياسة التسويف، وما نُقل مؤخراً عن تأجيل الزيادة المقرّة للقطاع العام بذريعة أن “الحقوق محفوظة”، نجد لزاماً علينا -كفريق تربوي يحمل أمانة أجيالنا وبقاء ثانوياتنا- أن نضع النقاط على الحروف في هذا المشهد الضبابي:
١. بين حماس التصريحات وواقع التهرّب
لم تعد تنطلي علينا مسرحية “الحماس للدفع” التي صرّح بها وزير المال؛ فهي تتناقض جملة وتفصيلاً مع مشهد التذمّر الموثق أمام رقم الزيادة الهزيل. إن التساؤل الشهير لوزير المال “ماذا سأقول للبنك الدولي؟” سيبقى وصمة في تاريخ التعامل مع لقمة عيش الأساتذة والعسكر والمتقاعدين، بينما يغيب ذكر “البنك الدولي” كلياً حين تُقَر الامتيازات والمناصب لمن هم في سدة السلطة.
٢. الحقوق لا تُؤجّل في زمن الانهيار
إن منطق “الحقوق المحفوظة والمؤجلة” في ظل تضخم ينهش ما تبقى من قيمة العملة هو مذبح للقوة الشرائية واغتيال معنوي للمعلم. الاساتذة لا يطلبون “مكرمة” ، بل يطالبون بالحد الأدنى من الأمان الوظيفي الذي هو الشرط الوجودي لاستمرار التعليم؛ فالعدالة التي تأتي متأخرة هي في جوهرها ظلمٌ مُحقق.
٣. الأمن التربوي: خط الدفاع الأخير
كما للدولة أمن عسكري، فإن لها “أمناً تربوياً” هو ركيزة استقرار الوطن. إن وضع المعلم تحت ضغوط اقتصادية خانقة هو تهديد مباشر لهوية لبنان ومستقبل أبنائه. لا ذنب لمن دخل الوظيفة العامة بكفاءته أن يدفع اليوم ثمن سنوات من التوظيف العشوائي والزبائنية التي أرهقت الخزينة.
٤. المطلب الجذري: نحو استقلالية القطاع
أمام عجز السلطة المتعمد، بات لزاماً المطالبة بـ صناديق خاصة للقطاع التعليمي، تؤمن دعماً مباشراً للكادر البشري وتحصّنه من تقلبات السياسة ومزاجية الموازنات، مع ضرورة المراعاة الفورية لمؤشر الغلاء الذي يلتهم المداخيل قبل وصولها.
إن كرامة المعلم هي من كرامة الوطن، وضياع حقوقه هو ضياع للمدرسة الرسمية وللأجيال القادمة.
فبينما تواصل الحرب قصف حجر المدارس الرسمية ومبانيها، تواصل السلطة بسياسة التسويف اغتيال ‘العنصر البشري’ فيها؛ فالمباني تُرمّم، لكنّ كرامة المعلم إذا كُسرت سقط معها جدار الوطن الأخير. إن السلطة التي تطلب من المعلم أو الموظف ‘الصبر’ وهي تفتقر لـ ‘العدل”، إنما تستثمر في الجهل؛ فالحقوق لا يطويها النسيان، وبناء الأوطان يبدأ بصون كرامة من يبني العقول، لا برهنها لإشارات البنك الدولي.
حقوق الأساتذة الأمن التربوي العدالة الوظيفية المدرسة الرسمية لبنان
*استاذة في التعليم الثانوي الرسمي
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate