
بوابة التربية- كتب فراس حريري*:
في نقاش ما جاء على لسان معالي وزيرة التربية في برنامج حوارات السراي عن الاستراتيجية التي اعتمدتها الوزارة لمقاربة ازمة الحرب والنزوح من اجل استمرارية التعليم وانجاز المناهج المدرسية، لا بد من طرح بعض النقاط التي ينتظر الجميع الاجابة عنها وتوضيحها، والاشكالات الناشئة عن هذا الوضع، والحلول العملية القابلة للتطبيق.
إذا ما نزلنا من الصورة الوردية التي رسمتها معالي الوزيرة في هذا الحوار الى الواقع العملاني على الارض، فستتكشف لنا الكثير من العقبات التي لا يعلم عنها استراتيجيو الوزارة ومخططوها أي شيء.
إن عملية التعليم من بعد (اونلاين) لا تختصر فقط بمنصة تيمز وباقة انترنت. فلنسأل وزارة الاتصالات عن نسبة استخدام هذه الباقة من قبل المعلمين والمتعلمين والنازحين منهم خاصة. ثم لنسأل وزارة التربية ان تقوم باحصاء الاساتذة والطلاب الذين لجأوا الى الواتساب كوسيلة تعليم ولم يستخدموا منصة تيمز.
حيث ان استخدام هذه المنصة من مايكروسوفت يتطلب قدرة للاستاذ وللتلميذ على تأمين الخصوصية. لكي يستطيع المعلم ايصال صوته بمعزل عن صوت الافراد الذين يشاركونه السكن. والتلميذ لكي يستطيع المشاركة من دون تشويش من قبل من يشاركونه السكن. هل التلميذ النازح والاستاذ النازح لديهم القدرة على تأمين مكان هادئ ضروري لحصول التعلم من بعد في ظل السكن في الخيم ومراكز الايواء المكتظة؟ أم هل يستطيعون إيجاد الوقت المناسب للتعلم من بين فوضى حياتهم التي بعثرتها الحرب وقضى على انتظامها النزوح؟
وهل يستطيع الاهل الذين يتشاركون السكن مع افراد عائلاتهم الواسعة أن يؤمنوا الانتظام اليومي والروتين المطلوب والخصوصية الضرورية لعدد كبير من المتعلمين والمعلمين الذين يسكنون البيت المستأجر نفسه؟ (في بعض الحالات التي يعرفها كاتب هذا المقال يزيد عدد المتعلمين في البيت المستاجر الواحد عن سبعة او ثمانية تلامذة. عدا عن احتساب الجامعيين والاهل الذين يعملون في القطاع الخاص، والذين باتوا مضطرين الى تسيير اعمالهم من خلال وسائل الاتصال المختلفة والتي تشكل ايضاً ضغطاً اضافياً على البيئة الاسرية بحيث يضطر البعض الى المفاضلة بين تسيير التعلم وتسيير العمل من اجل الاستمرارية وسد القوت).
وفي نقطة أخرى، لم يتم نقاشها عملياً، ما هو الاسلوب الذي ستتبعه الوزارة من اجل تأمين وصول الطلاب الذين ما زالوا يتواجدون في عدد كبير من قرى الجنوب الواقعة تحت نار الحرب الى مراكز الامتحان بشكل آمنٍ مع افراد عائلاتهم وذويهم المسؤولين عنهم؟ ومن يضمن عدم استهدافهم في طريق الذهاب او الرجوع؟ وهل سيكونون متساوين في الفرصة بالنجاح مع غيرهم وهم يتعاملون مع اسئلة الامتحان في ذروة قلقهم على ذويهم واهلهم؟
تسارع الوزارة بالتعاون مع الجهات المختصة بترميم عدد لا بأس به من مدارس الضاحية الجنوبية والبقاع من اجل حل معضلة تأمين مراكز كافية لاجراء الامتحانات. فهل يمكن لأية جهة في لبنان او حتى في العالم أن تضمن أمان هذه المراكز؟ وهل يقبل أحد في وزارة التربية من أعلى الهرم الى أدناه أن يرسل ابناً أو ابنة له الى مدرسة في الضاحية أو في المناطق التي استهدفت من قبل؟ وهل من يؤكد للناس ان هذه المدارس آمنة وغير معرضة للاعتداء؟ من يحمل دم الطلاب والاساتذة المراقبين على عاتقه في حال حصل أمر من هذا النوع؟
إن زيارة الى مركز امتحان في دائرة الخطر من وزير او سياسي أو مسؤول تربوي رفيع لدقائق معدودة لا تطمئن الاهل على اولادهم ولا الطلاب على أرواحهم. ولا تمدهم بالسكينة المطلوبة لاجراء الامتحان.
واذا كانت الوزارة تتكئ بقوة على المعطيات التي يقدمها مديرو الثانويات المقفلة بفعل الحرب سواء في الجنوب او في مناطق أخرى، فإنه لا يخفى على معالي الوزيرة ولا على أي احد في لبنان ان الاجراءات الروتينية للامور الادارية والارقام والنسب والاحصاءات كلها تدور في ظاهرة ال Враньё كما تكتب بالروسية، اي ال(فرانيو) التي وصفها الروائي العبقري دوستويفسكي قائلاً: ”إن الميزة الأساسية للـ (فرانيو) لدينا هي أن المستمع، مهما كان مستمعاً متشككاً، يظل يمتلك القدرة على تصديقك تماماً… طالما أنك تكذب بشكل ممتع ووفق القواعد المقبولة”.
فالجميع يعلم ان كثرة المذكرات والتعاميم والاحالات والمراسلات ومثالتيها وبعدها عن الواقع يدفع الجميع الى سلوك ظاهرة ال(فرانيو) التي تعرف بأنها الكذب التواطئي حيث الجميع يكذب على الجميع، والجميع يعرف أن الجميع يكذب. إذ أنه حين تصبح مواقع القرار منفصلة عن الواقع مع نزعة تسلطية، تغدو هذه الظاهرة آلية بقاء دفاعية لا غنى عنها للعب أي دور إداري في بلد مثل لبنان القائم على دينامية الوصول والترقي بأي ثمن.
ثم إن هناك فئة اخرى أيضاً من الناس يتم تغييبها عن الصورة بشكل مأساوي مثير للاستغراب. فهل تعرف معالي الوزيرة ومستشاروها من مديرين رؤساء اقسام ووحدات داخل الوزارة والمركز التربوي ان ثمة طلاب وأساتذة هم من بين من يبيتون في العراء ويضعون دماءهم على أكفهم ويدافعون عن تراب وطنهم وبيوت اهلهم وقرى أجدادهم، وقد سقط منهم الشهداء. فهؤلاء هل ستطلبون منهم ترك المواجهة مع العدو من اجل الخضوع للامتحان في هذه الظروف التي يؤكل فيها جزء من وطنهم؟
*استاذ الفلسفة في ثانوية قانا الرسمية
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate