
بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
لم تعد الإشكالات التي تواجه القطاع التربوي محصورة في الموارد أو المناهج أو البنى التحتية، بل باتت تمتد إلى عنصر أكثر خفاءً وأعمق أثرًا يتمثل في إدارة الزمن التربوي نفسه. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمضمون القرار التعليمي، بل بمدى صدوره في التوقيت المناسب الذي يسمح بتحقيق أهداف العملية التربوية دون تعطيل أو ارتباك في مساراتها الأساسية.
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في حالات متعددة، أبرزها القرارات المتعلقة بإجراء الامتحانات الرسمية، أو تلك المرتبطة بملفات التفرغ والتعيين والتثبيت في القطاع التربوي. ففي هذه الحالات، لا يكون المتعلم أو الأستاذ أو المؤسسة التعليمية في موقع انتظار إجراء جديد من طرفه، بل يكون قد استكمل ما هو مطلوب منه ضمن الإطار التعليمي أو الإداري، غير أن مصيره يبقى معلقًا على قرارات قد تتأخر دون مهل واضحة أو معايير زمنية ملزمة.
إن هذا التعليق الزمني لا يمكن اعتباره مجرد تأخير إداري، بل هو شكل من أشكال إعادة إنتاج عدم الاستقرار داخل النظام التربوي. فالتربية، باعتبارها عملية تراكمية، تقوم على بناء معرفي ونفسي وتنظيمي يحتاج إلى وضوح في الإيقاع الزمني الذي يحكمه. وعندما يختل هذا الإيقاع، تتأثر قدرة الأفراد والمؤسسات على التخطيط، ويتحول المسار التربوي إلى حالة من الترقب المستمر بدل أن يكون مسارًا واضح المعالم.
ومن هنا يمكن فهم أن ما يُهدر في مثل هذه الحالات ليس الوقت فقط، بل جزء أساسي من البنية التربوية نفسها. فالطالب الذي لا يعرف توقيت استحقاقاته الأساسية يفقد القدرة على تنظيم جهده واستعداده، ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل على المستوى النفسي والمعرفي أيضًا. والأستاذ الذي تبقى أوضاعه المهنية معلقة يواجه صعوبة في التخطيط لمساره البحثي والتعليمي، بما يؤثر على إنتاجيته واستقراره المهني. أما المؤسسة التربوية، فتفقد جزءًا من قدرتها على وضع سياسات طويلة الأمد عندما تصبح قراراتها الأساسية رهينة التأجيل المتكرر.
إن الزمن في السياق التربوي لا يُختزل بوصفه إطارًا إجرائيًا لتنظيم الامتحانات أو بداية العام الدراسي ونهايته، بل يشكل عنصرًا بنيويًا في تشكيل العملية التعليمية نفسها. فالمناهج الدراسية، وآليات التقويم، ومسارات التخرج، وحتى الانتقال بين المراحل التعليمية، جميعها ترتكز على تنظيم زمني دقيق. وعليه فإن أي خلل في هذا التنظيم لا يؤدي فقط إلى تأخير إداري، بل إلى خلل في الوظيفة التربوية ذاتها.
وفي هذا السياق تبرز أهمية مقاربة ما يمكن تسميته بـ”الحوكمة الزمنية في القطاع التربوي”، وهي مقاربة تقوم على إعادة النظر في كيفية إدارة الزمن داخل السياسات التعليمية، ليس باعتباره عنصرًا ثانويًا تابعًا للقرار، بل بوصفه مكونًا أساسيًا من مكونات جودة النظام التربوي. فالحوكمة الزمنية تعني الانتقال من إدارة القرارات التربوية بمعزل عن زمنها، إلى إدارة متكاملة تربط بين مضمون القرار وتوقيته وآثاره التربوية والاجتماعية.
كما يمكن فهم هذه الإشكالية ضمن إطار أوسع يتمثل في إدارة الزمن التربوي بين متطلبات التخطيط ومخاطر التأجيل. فالتخطيط التربوي يفترض وجود استقرار في الإيقاع الزمني يسمح ببناء سياسات تعليمية واضحة، بينما يؤدي التأجيل المتكرر إلى إدخال عنصر عدم التوقع في صميم العملية التربوية، بما يضعف فعالية التخطيط ويحد من قدرته على تحقيق أهدافه.
إن مخاطر هذا التأجيل لا تقتصر على الجانب الإداري، بل تمتد إلى مستويات متعددة. فعلى المستوى الفردي، يؤدي إلى استنزاف نفسي ومعرفي لدى الطلاب والأساتذة نتيجة حالة الانتظار المستمر. وعلى المستوى المؤسسي، يحد من قدرة المؤسسات التربوية على بناء استراتيجيات مستقرة. وعلى المستوى المجتمعي، يضعف الثقة في النظام التعليمي ويؤثر على تصور العدالة التربوية بوصفها عملية منظمة وشفافة.
وفي هذا السياق كثيرًا ما يُبرَّر التأجيل بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. غير أن هذا التذرع المستمر يفقد معناه عندما تتحول الاستثناءات إلى حالة دائمة وممتدة عبر الزمن. فلبنان، بما يعيشه من أزمات متراكمة، أصبح في واقع الأمر في حالة استثنائية شبه دائمة، الأمر الذي يجعل من استخدام الظرف الاستثنائي كتبرير للتأجيل والمماطلة ممارسة غير منتجة. فبدل أن يكون الاستثناء سببًا لتعطيل القرارات، يفترض أن يكون دافعًا لتعزيز الجهوزية الإدارية والتربوية عبر وضع خطط مسبقة وآليات مرنة قادرة على العمل ضمن مختلف الظروف. إن إدارة الأنظمة التربوية في سياق أزمات مزمنة تتطلب انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق التخطيط الاستباقي، بما يضمن احترام الزمن التربوي وعدم تحويله إلى مساحة مفتوحة لإهدار الحقوق وتراكم الملفات وتعطيل مسارات الطلاب والأساتذة عبر السنوات.
إن معالجة هذه الإشكالية تستدعي تطوير رؤية جديدة لإدارة الزمن التربوي، رؤية تجعل من الاستقرار الزمني جزءًا من جودة النظام التعليمي، ومن وضوح التوقيت عنصرًا من عناصر العدالة التربوية. فالنظام التربوي الذي يعجز عن تنظيم زمن قراراته، يواجه خطر فقدان جزء من فعاليته، حتى لو احتفظ بجودة محتواه.
وبهذا المعنى، فإن الحوكمة الزمنية في القطاع التربوي ليست مجرد مفهوم تنظيمي، بل هي مدخل لإعادة التفكير في العلاقة بين الزمن والتعليم، بين القرار التربوي وأثره الزمني، وبين التخطيط التربوي وإيقاعه العملي، بما يضمن بناء نظام تعليمي أكثر استقرارًا وعدالة وفعالية.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate