الخميس , يونيو 18 2026
أخبار عاجلة

بين التعليم المُجزّأ والاصطفاء التربوي: قراءة في تداعيات تعدّد مسارات الامتحانات الرسمية

 

 

 

بوابة التربية- كتبت إلهام فرج*:

 

أذكر جيداً مدى إعجابي بكتاب أستاذي في مادة علم الإجتماع التربوي الدكتور عدنان الأمين «اللاتجانس الاجتماعي: سوسيولوجيا الفرص الدراسية في العالم العربي»، وما تركه طرحه الفكري من أثر عميق في فهم العلاقة بين الاجتماع والتعليم، وبين الاصطفاء الاجتماعي والاصطفاء التربوي، ومبدأ تكافؤ الفرص التعليمية والمهنية والإجتماعية والعلاقة فيما بينها.

ما أعاد إلى ذهني هذه الأفكار اليوم هو ما يُطرح حول الامتحانات الرسمية، وما تنقله وسائل الإعلام عن توجهات لاعتماد مسارات متعددة أو جعل الامتحانات اختيارية، الأمر الذي يدفعنا إلى استحضار العلاقة التي تناولتها الأدبيات التربوية بين التعليم المُجزّأ والاصطفاء التربوي، ويدعونا إلى التوقف ملياً عند تفاصيل هذا الطرح وآثاره المحتملة.

والتعليم المُجزأ هو مفهوم تربوي وسوسيولوجي معاصر

يُستخدم لوصف حالة تفكك وحدة النظام التعليمي وتعدد

معاييره ومساراته في البلدان التي تمر بأزمات ونزاعات.

فإذا اتجهت السياسة التربوية نحو اعتماد معايير مختلفة للتقييم ومنح الشهادات والإفادات، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تصنيف المتعلمين واصطفائهم ضمن مسارات متباينة مناطقياً وجغرافياً ومؤسساتياً، بما يشبه، مجازاً، «كونفدرالية التعليم» في علم السياسة، حيث تتعدد المرجعيات والمعايير داخل النظام التربوي الواحد.

ومن شأن هذا التوجه أن يفسح المجال أمام أشكال من التعليم والتقييم المُجزّأ، بما ينعكس على العدالة في الاصطفاء التربوي والجامعي والمهني. وعندها قد يتحول الاصطفاء من أداة تربوية لتنظيم الفرص التعليمية إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية، في ظل تراجع تكافؤ الفرص التعليمية وغياب وحدة معايير التقييم الوطنية ووحدة القرار التربوي.

إن العلاقة وثيقة بين تشظي القرارات التربوية وتراجع العدالة والمساواة، ولا سيما في الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان. وقد أشار علماء اجتماع التربية إلى أن الأنظمة التعليمية غير المتكافئة تميل إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية تحت غطاء التفوق الدراسي أو الاستحقاق الأكاديمي.

ومن هنا يبرز سؤال تربوي مشروع في سياق النقاش الدائر حول الامتحانات الرسمية في لبنان:

إذا اختلفت شروط التقييم والحصول على الشهادة بين فئات الطلاب، فهل يبقى الاصطفاء الجامعي والمهني قائماً على معيار أكاديمي وطني موحّد؟ أم يصبح انعكاساً لاختلاف المسارات التي مرّ بها الطلاب والظروف التي خضعوا لها؟

هنا تكمن جوهر العلاقة بين التعليم المُجزّأ والاصطفاء التربوي.

لذلك، فإن من حق التربويين والرأي العام أن يتساءلوا: هل تمت دراسة الأبعاد التربوية والاجتماعية بعيدة المدى لهذا القرار الذي يُروَّج له اليوم بوصفه الحل الأمثل؟ وهل نحن أمام معالجة استثنائية ضمن إطار وطني موحّد يحافظ على العدالة وتكافؤ الفرص، أم أننا نسير، ولو بحسن نية، نحو مزيد من تجزئة النظام التربوي وتفكيك وحدته المرجعية؟

إن الخشية لا تكمن في البحث عن حلول للواقع الاستثنائي، بل في الانتقال من وحدة المعايير إلى تعددها، ومن مرجعية وطنية جامعة إلى مسارات متباينة في التقييم والشهادات، بما قد ينعكس حالياً ومستقبلاً على العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

 

*مديرة ثانوية البازورية الرسمية.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

متعاقدو الأساسي أستنكروا تهميشهم عن اللقاء التشاوري

    بوابة التربية: استنكرت لجنة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي، في بيان، تهميشهم عن …