الإثنين , يونيو 29 2026

التاريخ والسيادة المعرفية للدولة: حقُّ الأجيال في الذاكرة الوطنية

 

 

بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:

ليست وظيفة الدولة أن تُشيّد المدارس فحسب، بل أن تضمن استمرارية الوعي الوطني عبر الأجيال. فالتعليم، في جوهره، ليس عملية نقلٍ للمعارف التقنية، وإنما فعلٌ سياديٌّ تتجدد من خلاله هوية المجتمع، وتُصان ذاكرته، وتُبنى شخصيته الجماعية. ومن هنا، فإن أي إصلاح تربوي لا يُقاس فقط بمدى قدرته على مواكبة الثورة الرقمية أو استيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما يُقاس أيضاً بقدرته على حماية المقومات التي تجعل من المجتمع أمةً متماسكة، لا مجرد أفراد يمتلكون مهارات متقدمة.

ولا خلاف على أن المناهج اللبنانية تحتاج إلى مراجعة عميقة، وأن المدرسة مطالبة اليوم بإعداد جيل قادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة، ومتمكن من أدوات التكنولوجيا، ومؤهل للتعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. غير أن هذا المسار الإصلاحي، على ضرورته، ينبغي ألا يُختزل في إعادة توزيع المواد أو إعادة هندسة الساعات التعليمية، لأن المدرسة لا تؤدي وظيفة تقنية فحسب، بل تؤدي وظيفة حضارية تتصل بحماية الذاكرة الوطنية واستمرارها.

ومن هنا، فإن النقاش الدائر حول موقع مادة التاريخ في المناهج الجديدة يجب ألا يُختزل في سؤال: هل تبقى مادة مستقلة أم تُدمج ضمن مواد أخرى؟ فهذا سؤال إجرائي مشروع، لكنه ليس السؤال الأهم. أما السؤال الجوهري فهو: هل يجوز أن يصبح الحق في معرفة التاريخ خاضعاً لمقتضيات التنظيم التربوي وحدها، أم أنه حقٌ للأجيال، تلتزم الدولة بصونه ونقله؟

إن التاريخ ليس ملكاً للجيل الحاضر حتى يملك حق اختصاره أو تهميشه أو التعامل معه بوصفه عبئاً تعليمياً قابلاً لإعادة التنظيم. إنه إرثٌ وطني متراكم، وحقٌ أصيل للأجيال المتعاقبة، لأن الذاكرة الجماعية ليست ملكية خاصة بجيلٍ بعينه، بل رصيدٌ حضاري تتعاقب الأجيال على حفظه وتطويره وتسليمه لمن يأتي بعدها.

ولهذا، فإن مسؤولية الدولة في تدريس التاريخ لا تنبع من اعتبارات ثقافية أو تربوية فحسب، بل تجد أساسها في فلسفة الدولة الدستورية ذاتها. فالدستور لا ينظم السلطات العامة وحسب، وإنما يؤسس لاستمرارية الجماعة الوطنية، ويحمي مقومات وجودها ووحدتها، ويكرس مفهوم المواطنة بوصفه رابطة قانونية وسياسية وثقافية في آنٍ واحد. ولا يمكن للمواطنة أن تنمو في فراغ معرفي، أو أن تستقر في مجتمع تنقطع فيه الصلة بين الأجيال وبين تاريخها الوطني.

وفي هذا السياق، يكتسب التعليم بعداً يتجاوز المدرسة، ليصبح إحدى أدوات الأمن الوطني بمفهومه الحديث. فالدول المعاصرة لم تعد تواجه التحديات بالسلاح والاقتصاد وحدهما، بل تواجه أيضاً صراعات على الوعي، ومحاولات لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، وإنتاج روايات بديلة تستهدف هوية المجتمعات وانتماءها. وفي عصر المنصات الرقمية، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، أصبحت السيطرة على الذاكرة الجماعية شكلاً من أشكال القوة الناعمة، وأحد ميادين التنافس بين الدول والثقافات.

ومن هنا، لم تعد السيادة في مفهوم الدولة الحديثة تقتصر على الإقليم، أو على احتكار استعمال السلطة، أو على الاستقلال في اتخاذ القرار السياسي، بل اتسع مضمونها ليشمل ما يمكن تسميته بالسيادة المعرفية للدولة؛ أي قدرة الدولة على حماية منظومتها المعرفية الجامعة، وصون ذاكرتها الوطنية، وإنتاج روايتها التاريخية استناداً إلى البحث العلمي والمعرفة الرصينة، ونقلها إلى الأجيال المتعاقبة بعيداً عن التشويه، أو التفكيك، أو الهيمنة الفكرية التي قد تمارسها القوى الخارجية أو المنصات الرقمية العابرة للحدود.

فالسيادة المعرفية لا تعني احتكار الحقيقة، ولا فرض رواية أحادية، وإنما تعني امتلاك الدولة ومؤسساتها الأكاديمية القدرة على بناء معرفة وطنية نقدية وموثقة، تمكّن المواطن من فهم تاريخه من خلال المناهج العلمية، لا من خلال السرديات المتصارعة أو المحتوى الرقمي غير المنضبط. ومن هذا المنظور، فإن تدريس التاريخ لا يندرج ضمن السياسة التعليمية فحسب، بل يمثل أحد أهم تجليات السيادة المعرفية للدولة، لأنه يؤمن استمرارية الذاكرة الوطنية، ويحمي الحق الجماعي للأجيال في معرفة المسار التاريخي الذي تشكلت من خلاله الدولة والمجتمع.

ومن هنا أيضاً، فإن التاريخ لم يعد مادة تستحضر الماضي، بل أصبح أحد المكونات الأساسية للأمن المعرفي للمجتمع. فالمجتمع الذي يمتلك وعياً بتاريخ تشكله، وبالمحطات التي صنعت مؤسساته، وبالأزمات التي مر بها، يكون أكثر قدرة على مقاومة التضليل، وأقل قابلية لإعادة تشكيل وعيه وفق روايات عابرة للحدود أو مصالح ظرفية. أما المجتمع الذي تضعف علاقته بذاكرته، فإنه يفقد تدريجياً مرجعيته المشتركة، ويصبح أكثر عرضة للتشظي الفكري والثقافي.

وتزداد أهمية هذا الأمر في لبنان، حيث لا يقتصر التاريخ على كونه تسلسلاً للأحداث، بل يمثل إحدى الركائز الضرورية لبناء الانتماء الوطني في مجتمع تعددي، تتقاطع فيه الانتماءات، وتتعرض فيه الهوية الوطنية باستمرار لاختبارات داخلية وخارجية. ولذلك، فإن تطوير تدريس التاريخ ينبغي أن يتجه نحو ترسيخ المنهج العلمي، وتعليم قراءة المصادر، وتنمية التفكير النقدي، وتمكين الطالب من فهم تعقيدات التجربة اللبنانية بعيداً عن التلقين أو السرد الأحادي، لا إلى إضعاف حضور التاريخ في الوعي التربوي.

وقد أدركت الوثائق الدولية هذا البعد مبكراً، إذ أكدت اليونسكو في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي (1966)، ثم في اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003)، أن نقل التراث الثقافي والذاكرة الجماعية إلى الأجيال المقبلة ليس ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية عامة تضمن استمرارية المجتمعات وحماية تنوعها الثقافي. وينسجم ذلك مع مبدأ العدالة بين الأجيال، الذي يفرض على الجيل الحاضر ألا يستهلك الرصيد الثقافي والحضاري للأمة، بل أن يحفظه ويطوره ويسلمه للأجيال القادمة.

إن المدرسة التي تُخرّج مبرمجين ومهندسين وخبراء في الذكاء الاصطناعي، من دون أن تُخرّج مواطنين يدركون تاريخ وطنهم، إنما تنتج كفاءات مهنية، لكنها لا تبني مجتمعاً متماسكاً. فالتنمية لا تقوم على الاقتصاد وحده، والابتكار لا يستقيم إذا انفصل عن الوعي، كما أن المعرفة التقنية، مهما بلغت من التقدم، لا تستطيع أن تعوض غياب المرجعية التاريخية التي تمنح المجتمع إدراكاً لهويته وموقعه ومسؤوليته تجاه مستقبله.

إن استشراف المستقبل لا يبدأ بإنكار الماضي، وإنما بفهمه. فالتاريخ ليس أرشيفاً للأحداث المنقضية، بل مختبرٌ للتجربة الإنسانية، ومنصةٌ لتحليل التحولات، وأداةٌ لفهم أسباب النجاح والإخفاق، وبناء السياسات العامة على الخبرة المتراكمة لا على ردود الأفعال الآنية. ومن لا يحسن قراءة مساره التاريخي، لن يمتلك القدرة على رسم مساره المستقبلي.

لذلك، لا ينبغي أن يُنظر إلى تدريس التاريخ باعتباره دفاعاً عن مادة دراسية، ولا بوصفه موقفاً محافظاً في مواجهة التطوير، بل باعتباره دفاعاً عن أحد المقومات البنيوية للدولة الحديثة. فكما تُعد حماية الحدود تعبيراً عن السيادة الإقليمية، وحماية البيانات الوطنية مظهراً من مظاهر السيادة الرقمية، فإن حماية الذاكرة الوطنية تُعد من أبرز تجليات السيادة المعرفية للدولة. ذلك أن الدولة التي تفقد قدرتها على نقل ذاكرتها إلى أجيالها، لا تخسر جزءاً من مناهجها التعليمية فحسب، وإنما تُعرّض وعيها الوطني للتآكل، وتُضعف قدرتها على صياغة مستقبلها انطلاقاً من خبرتها التاريخية، لا من الروايات التي يصوغها الآخرون عنها.

إن الدفاع عن التاريخ ليس دفاعاً عن الماضي، بل دفاعٌ عن مستقبل الدولة نفسها. فالدول قد تعوض نقصاً في الموارد، أو تستدرك فجوةً في التكنولوجيا، أو تلحق بركب الاقتصاد الرقمي، لكنها إذا فرّطت باستمرارية ذاكرتها الوطنية، فإنها تُضعف أحد أهم مقومات بقائها واستقرارها. فالمجتمعات التي تفقد ذاكرتها، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج وعيها، ومن يفقد وعيه، يفقد حتماً جزءاً من سيادته.

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

طرابلسي لسلام والحكومة: التمييز بين التلامذة يضرب مبدأ المساواة والعدالة التربوية

    بوابة التربية: وجه مقرر لجنة التربية النيابية، الدكتور إدكار طرابلسي، كتاباً الى جانب …