الأحد , يونيو 28 2026
أخبار عاجلة

حين يلتقي نيوتن بالمتنبي.. هل نختار اختصاصًا علميًّا أم أدبيًّا…

 

 

 

بوابة التربية- كتبت د. رنا حسين حطيط*:

 

لسنواتٍ طويلة، تعاملنا مع التعليم وكأنّه مساران متوازيان لا يلتقيان: طريقٌ للعلم، وآخر للأدب. وفي نهاية المرحلة الثانويّة تحديدًا، يتحوّل هذا التقسيم إلى سؤال مصيري يواجه آلاف الطلاب: هل أختار الاختصاص العلميّ أم الأدبيّ؟ وكأنّ الإنسان يُطلب منه أن يتخلّى عن جزء من عقله ليحافظ على الجزء الآخر.

لكن هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرة، يخفي خلفه إشكالًا أعمق: هل العقل البشري قابل أصلًا لهذا النوع من التقسيم؟

– الاختيار الذي يرسم صورة الإنسان

لا يقتصر اختيار المسار الدراسي على كونه قرارًا أكاديميًا، بل يتحوّل في كثير من الأحيان إلى هويّة مبكرة تُفرض على الطالب. فالعلمي يُختزل في الأرقام والمعادلات، والأدبي يُحصر في اللغة والتاريخ، وكأنّ كلّ منهما عالم مغلق لا يتقاطع مع الآخر.

غير أنّ الواقع التعليمي والإنساني أكثر تركيبًا من هذه الثنائيّة. فالمعرفة لا تتجزّأ كما نتصوّرها، بل تتكامل في تشكيل عقل الإنسان وقدرته على فهم العالم.

– هل ينقسم العقل فعلًا؟

تجاوزت علوم الأعصاب الحديثة فكرة أن الدماغ ينقسم إلى “علمي” و”أدبي”. فالتفكير الإنساني ليس وظيفتين منفصلتين، بل شبكة متكاملة تتداخل فيها القدرات التحليليّة مع الإبداعيّة.

فالطالب الذي يبرع في الرياضيات يحتاج إلى الخيال لحل المسائل، كما أنّ الطالب المبدع في الأدب يحتاج إلى بنية منطقيّة داخليّة لصياغة أفكاره. وهكذا، فإنّ الفصل بين “العلمي” و”الأدبي” هو تبسيط مخلّ لطبيعة العقل.

– التعليم ليس معلومات… بل طريقة تفكير

تشير دراسات في علم الاجتماع والاقتصاد السلوكي إلى أنّ التعليم لا يضيف معرفة فقط، بل يعيد تشكيل طريقة التفكير نفسها. فكلّ سنة إضافيّة من التعليم تعزّز القدرة على التحليل، والتخطيط، وحل المشكلات، حتى خارج السياقات الأكاديميّة.

وهذا يعني أنّ التعليم الحقيقي لا يُقاس بما نحفظه، بل بكيفيّة تعاملنا مع الواقع.

– العقلانيّة التطبيقيّة: من الفكرة إلى الواقع

هنا يبرز مفهوم العقلانيّة التطبيقيّة، وهو القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، والفكرة إلى حل، والنظريّة إلى ممارسة واقعيّة.

فالعقل لا يكتمل عندما ينتج أفكارًا صحيحة فقط، بل عندما يستطيع توظيف هذه الأفكار في فهم العالم ومعالجة مشكلاته. وهذا ما يجعل التعليم الحقيقي ليس تراكمًا معرفيًا، بل قدرة على استخدام المعرفة بوعي ومسؤوليّة.

– العلم والأدب: علاقة تكامل لا فصل

لم يولد العلم الحديث منفصلًا عن الفلسفة أو الأدب. فقد بدأت أسئلته الأولى من تأمّلات فلسفيّة حول الزمن والوجود والسببيّة، قبل أن تتحوّل إلى نظريات علميّة دقيقة.

كما أن كثيرًا من العلوم الإنسانيّة، مثل علم النفس، نشأت في البداية داخل الفلسفة، قبل أن تتطوّر إلى علوم مستقلة. وهذا يكشف أنّ المعرفة لم تكن يومًا مجزأة كما تبدو اليوم، بل كانت شبكة واحدة من الأسئلة والتجارب.

– حين يتحول التخصص إلى قيد

الخطر لا يكمن في التخصّص نفسه، بل في تحوّله إلى هويّة مغلقة. فحين يُختزل الإنسان في مجال واحد، قد يفقد قدرته على رؤية الصورة الكاملة.

ويحذر بعض المفكرين من هيمنة ما يُعرف بـ”العقل الأداتي”، أي العقل الذي يقيس النجاح بالكفاءة التقنيّة وحدها، متجاهلًا القيم والمعنى والبُعد الإنساني. وهنا يصبح العلم قوّة فعّالة، لكنّها بلا بوصلة أخلاقيّة.

– نحو تعليم يعيد وصل ما انقطع

تتجه النماذج التعليميّة الحديثة إلى تجاوز الفصل التقليدي بين العلوم والإنسانيّات، عبر تعليم قائم على دراسة الظواهر من زوايا متعدّدة. فالقضية الواحدة—كالبيئة أو التكنولوجيا أو الصحّة—لا يمكن فهمها من زاوية علميّة فقط، بل تحتاج إلى أبعاد اقتصاديّة وأخلاقيّة وثقافيّة أيضًا.

وهنا يتحوّل الهدف من التعليم: من إنتاج متخصّص ضيّق، إلى بناء إنسان قادر على الربط والفهم الشامل.

خاتمة: الإنسان قبل الاختصاص

إنّ السؤال الحقيقي ليس: هل أنت علمي أم أدبي؟

بل: كيف ستستخدم ما تتعلّمه لفهم العالم والإنسان معًا؟

فالتخصص ضرورة تعليمية، لكنّه لا يجب أن يتحوّل إلى جدار يفصل الإنسان عن بقية المعارف. فالحضارة لم يصنعها أصحاب المسارات المغلقة، بل أولئك الّذين فتحوا الجسور بين العلوم، وجمعوا بين الدقّة والخيال، بين الحساب والمعنى.

وحين يلتقي نيوتن بالمتنبي داخل الإنسان الواحد، لا نكون أمام طالبٍ يختار فرعًا دراسيًا، بل أمام إنسانٍ يتعلّم كيف يفكر، وكيف يفهم، وكيف يوازن بين العقل والوجدان.

هناك فقط، تبدأ الحضارة الحقيقيّة.

 

*أستاذة أكاديميّة وخبيرة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واللغويات التطبيقيّة

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

ربحت التربية الجولة… لكن العدالة بين الطلاب لم تنتصر بعد

    بوابة التربية: ما حصل ليس انتصارًا لفريق على فريق آخر، ولا هزيمةً لأحد، …