الخميس , يوليو 23 2026

قبل أن نحاكم المناهج الجديدة… فلنقرأها أولًا

 

 

بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*:

في خضم النقاش الدائر حول مشروع تطوير المناهج التربوية في لبنان، يلفت الانتباه حجم الأحكام المسبقة التي تُطلق على المناهج الجديدة قبل الاطلاع على فلسفتها وأهدافها ومضامينها. إن المقاربة العلمية لأي مشروع إصلاحي تقتضي قراءة الوثائق الرسمية وتحليلها وفق معايير تربوية رصينة، لا إصدار الأحكام استنادًا إلى الانطباعات أو الشائعات.

لقد شكّلت مناهج عام 1997، الصادرة بموجب المرسوم رقم 10227، خطوة إصلاحية مهمة في مرحلة إعادة بناء النظام التربوي اللبناني بعد الحرب. وقد أدّت دورًا بارزًا في توحيد الرؤية التربوية وتنظيم العملية التعليمية. إلا أن هذه المناهج، رغم أهميتها التاريخية، وُضعت قبل ما يقارب ثلاثة عقود، في زمن يختلف جذريًا عن واقعنا الحالي من حيث الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، واقتصاد المعرفة، ومتطلبات سوق العمل.

وتؤكد الأدبيات التربوية الصادرة عن اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن المناهج الدراسية ينبغي أن تخضع للمراجعة والتطوير الدوري، لأن التعليم لا يهدف إلى نقل المعرفة فحسب، بل إلى بناء الكفايات التي تمكّن المتعلم من التفكير النقدي، والإبداع، وحل المشكلات، والتعلم مدى الحياة.

كما بيّنت دراسات وتقارير وطنية ودولية أن مناهج 1997 عانت من تضخم المحتوى وكثافة المقررات، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى التركيز على الحفظ والاستظهار وإنهاء الكتاب المدرسي، على حساب التحليل والفهم العميق وبناء المهارات العليا.

أما المناهج المطوّرة، فتنطلق من فلسفة تربوية حديثة قائمة على الكفايات ونواتج التعلم، حيث يصبح المتعلم محور العملية التعليمية، ويقاس نجاحه بقدرته على التحليل، والتركيب، والاستنتاج، والإنتاج، والابتكار، والإتقان، وليس بمجرد استرجاع المعلومات. كما تعزز هذه المناهج التعلم النشط، والتعلم القائم على المشروعات، والمهارات الرقمية، والعمل التعاوني، بما ينسجم مع الاتجاهات العالمية المعاصرة.

إن تطوير المناهج لا يعني إلغاء مناهج 1997 أو التقليل من قيمتها التاريخية، بل يمثل استجابة علمية للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. فالمناهج، شأنها شأن العلوم والتكنولوجيا، تحتاج إلى تحديث مستمر حتى تبقى قادرة على إعداد أجيال تواجه تحديات المستقبل بكفاءة.

من هنا، فإن الاختلاف حول بعض تفاصيل المناهج الجديدة حق مشروع، بل هو ضرورة علمية. أما رفضها أو مهاجمتها قبل الاطلاع عليها، فلا ينسجم مع أبسط قواعد البحث العلمي. فالنقد الحقيقي يبدأ بعد القراءة والتحليل، ويستند إلى الأدلة، لا إلى المواقف المسبقة.

إن مسؤوليتنا التربوية والوطنية تفرض علينا أن نجعل مصلحة المتعلم اللبناني فوق أي اعتبار، وأن ننظر إلى تطوير المناهج باعتباره مشروعًا وطنيًا يستحق الحوار الرصين المبني على المعرفة، لا على الانفعال. فالتعليم الذي يصنع المستقبل هو التعليم الذي يعلّم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون.

 

المراجع

 

– الجمهورية اللبنانية، المرسوم رقم 10227/1997: مناهج التعليم العام وأهدافها.

– UNESCO (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education.

– UNESCO. Curriculum and Learning.

– OECD (2018). The Future of Education and Skills 2030.

– UNICEF Lebanon. Education Programme and Curriculum Reform.

*أستاذ جامعي وباحث تربوي

خبير مشارك في إعداد منهج العلوم الاقتصادية والاجتماعية

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

تجمُّع روابط القطاع العام يدعو للتصعيد: التلكؤ بصرف المضاعفات الستّة غير مقنعة

    بوابة التربية:   عقد تجمُّع روابط القطاع العام (عسكريّين ومدنيّين) اجتماعاً في مقرّ رابطة …