
بوابة التربية- كتبت الدكتورة كلير خطار فخرالدين:
منذ عام 2014، لم يُفتح أي ملف تفرغ في الجامعة اللبنانية. تعاقبت الحكومات، تبدلت الوجوه، انهارت الليرة، انفجرت الأزمة المالية، وتغيّرت الأولويات، لكن بقي أستاذ الجامعة اللبنانية المتعاقد وحده خارج أي حساب.
اثنا عشر عاماً من الانتظار.
اثنا عشر عاماً من الوعود.
اثنا عشر عاماً من استنزاف العمر والكرامة والحقوق.
في شباط 2026، صدر القرار رقم 17 عن مجلس الوزراء، بعد سنوات طويلة من المماطلة، ليقضي بتفرغ 1690 أستاذاً على أربع دفعات. يومها قيل إن تقسيم الملف هو الحل المالي الذي يسمح بالتنفيذ. ورغم أن تجزئة ملف تفرغ واحد إلى أربع مراحل تبقى سابقة غير معهودة في تاريخ الجامعة اللبنانية، قبل الأساتذة بهذا الحل على مضض، لأن الهدف كان بدء التنفيذ، لا الدخول في دورة جديدة من التأجيل.
واليوم، تعود الذريعة المالية إلى الواجهة من جديد.
يُقال إن الاعتمادات غير متوافرة، ويُقال إن فتح اعتماد استثنائي بات موضع تردد، ويُقال الكثير… لكن ما لا يقال هو: لماذا يصبح تنفيذ القرار رقم 17 وحده رهينة للحسابات المالية، بينما لا تتحول الملفات الأخرى إلى رهينة مماثلة؟
عندما يتعلق الأمر بقرارات مالية أخرى، أو بزيادات، أو بتوظيفات، أو بإنفاق عام، نجد دائماً المخارج القانونية والمالية، وتُفتح الاعتمادات عندما تتوافر الإرادة. أما عندما يصل الدور إلى حقوق أساتذة الجامعة اللبنانية، يصبح الحديث فجأة عن العجز، وعن الصعوبات، وعن التأجيل، وكأن هذا الملف وحده هو الذي يهدد مالية الدولة.
إذا كان القرار نفسه قد لحظ فتح اعتماد استثنائي لتنفيذه، فلماذا يعود النقاش اليوم إلى نقطة الصفر؟
وإذا كانت الدولة قادرة على تأمين الموارد لقرارات أخرى، فلماذا تتحول حقوق أساتذة الجامعة اللبنانية وحدها إلى عبء لا يحتمل؟
هذه أسئلة مشروعة، ومن حق أصحاب الحقوق أن يطرحوها بصوت مرتفع.
الأستاذ الجامعي لم يطلب امتيازاً، ولم يطلب مكافأة، ولم يطلب استثناءً. هو يطالب الدولة بتنفيذ قرار اتخذته هي بنفسها.
الأخطر من التأخير هو الغموض.
لا إعلان رسمي واضح يحدد أين أصبح الملف، ولا جدول زمني ملزم، ولا جهة تتحمل مسؤولية التأخير. وحدهم الأساتذة يعيشون على وقع التسريبات والتكهنات، فيما مستقبلهم المهني والمالي معلق بانتظار جواب لا يأتي.
أي إدارة هذه التي تجعل أكثر من 1690 أستاذاً جامعياً ينتظرون خبراً عن مصيرهم من الشائعات لا من المؤسسات؟
أي احترام يُمنح للجامعة الوطنية عندما يُترك أساتذتها في حالة انتظار دائمة، بينما تستمر الجامعة في أداء رسالتها بجهودهم، وتستقبل آلاف الطلاب عاماً بعد عام؟
لقد دفع الأساتذة الثمن كاملاً.
دفعوه من أعمارهم.
من استقرارهم.
من قدرتهم على التخطيط لمستقبلهم.
من حقوق لن يعيدها أي قرار لاحق، لأن الزمن لا يُعوَّض، وسنوات الانتظار لا تُسترد.
القرار رقم 17 ليس منحة سياسية، وليس وعداً انتخابياً، وليس ملفاً قابلاً للتأجيل كلما ظهرت ذريعة جديدة.
إنه قرار صادر عن مجلس الوزراء، واحترام الدولة يبدأ باحترام قراراتها.
أما إبقاء هذا الملف معلقاً إلى أجل غير معلوم، فهو لا يبدد ثقة الأساتذة فحسب، بل يبدد ما تبقى من ثقة المواطنين بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وليعلم الجميع أن الصمت لم يعد خياراً.
فالحقوق لا تسقط بالتأجيل، والقرارات لا تفقد قوتها لأن تنفيذها أُحيط بالغموض، ومن يظن أن أصحاب الحقوق سيتعبون قبل أن تتعب سياسة التسويف، يخطئ في قراءة هذه القضية.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate