
بوابة التربية- كتبت د. فاطمة عبود:
لم يعد التعليم مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة والحصول على شهادة، بل أصبح استثماراً يرتبط بتوقعات الفرد حول النجاح والعمل والاستقرار والمستقبل. هذه العلاقة أصبحت أكثر تعقيداً في المجتمع اللبناني الذي شهد أزمات ممتدة تراجعت خلالها الفرص وتزايدت صعوبة توقّع المسارات المهنية، فبرزت أكثر الأزمات التربوية عمقاً، تلك التي ظهرت في تحوّل المعنى الذي يحمله التعليم في أذهان المتعلمين؛ في ظل هذا الواقع، تُطرح أسئلةٌ ملحّةٌ: كيف يؤثر غموض المستقبل في القيمة التي يمنحها الطلاب للتعليم وفي دافعيتهم للإنجاز؟ وهل ما زال التعليم قادراً على الاحتفاظ بوعده بوصفه طريقاً لبناء المستقبل؟ وكيف نحافظ على الإيمان بأن التحصيل الدراسي ما زال جديراً بالجهد؟
لطالما ارتبط التعليم في الوعي الفردي والجمعي بوعدٍ يتجاوز اكتساب المعرفة، فقد كان طريقاً متخيَّلاً نحو النجاح، والعمل، والاستقلالية، وتحسين المكانة الاجتماعية. وكان الأفراد يستثمرون فيه مادياً ونفسياً انطلاقاً من قناعةٍ بأن الجهد الدراسي اليوم سيجد مقابله في مستقبلٍ أفضل غداً. غير أن هذا الرابط بين الجهد والإنجاز والمستقبل شهد تحوّلاً فقد أصبح أكثر هشاشة في بيئةٍ تضيق فيها الإمكانات فتبدو ملامح المستقبل أقلّ وضوحاً واستقراراً.
ولفهم هذا التحول الذي انسحب على علاقة الطالب بالتعليم، يمكن الانطلاق من فكرة أنّ دافعية الفرد للانخراط في مهمة ما لا تتحدد فقط بقدرته الفعلية على إنجازها، وإنما تتأثر بعاملين أساسيين: توقعه للنجاح فيها، والقيمة التي يمنحها هذا النجاح. فالطالب يبذل جهداً أكبر حين يعتقد أنه قادر على النجاح، وحين يرى في الوقت نفسه أن لهذا النجاح قيمة أو معنى بالنسبة إلى مستقبله. من هذا المنظور، لا يكفي أن يكون الطالب قادراً على النجاح أكاديمياً كي يحافظ على مستوى مرتفع من الدافعية، بل يحتاج أيضاً إلى أن يشعر بأن جهده الدراسي يقوده إلى غاية تستحق هذا الاستثمار. لذا، فعندما تصبح العلاقة بين التحصيل الأكاديمي والفرص المهنية والاستقرار الاقتصادي أقل وضوحاً، يفقد التعليم شيئاً من قيمته المُدركة لدى المتعلم. فيبدأ الطالب بالتساؤل: ماذا سيغيّر نجاحي الدراسي فعلياً في مستقبلي؟
وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما لا يقتصر الغموض على قيمة التعلّم والشهادة، بل يمتد إلى شعور الطالب بعدم قدرته على التأثير في مسار حياته. أضِف إلى ذلك أن تصورات الطالب حول جدوى التعليم لا تتبلور بمعزل عن البيئة الاجتماعية، فهي تتشكل أيضاً من خلال ما يراه ويسمعه في محيطه: خريجون يبحثون طويلاً عن فرص عمل، أصحاب كفاءات يفكرون في الهجرة، أُسر تقلق بشأن مستقبل أبنائها، وحوارات يومية تقارن بين سنوات الدراسة والعائد الذي يمكن أن تحققه…وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية من واقع خارجي مُعاش إلى معنى نفسي يدخل في حسابات الطالب وتوقعاته وخياراته.
فعندما يلاحظ الطالب أن الاجتهاد والكفاءة لا يقودان دائماً إلى النتائج المتوقعة، تبدأ الهوة بين “ما يفعله” و”ما يستطيع الوصول إليه” بالاتساع، وقد ينعكس ذلك على تراجع المثابرة، أو انخفاض الاستثمار النفسي في الدراسة، أو البحث عن مسارات أخرى تبدو أسرع وأكثر قدرة على تحقيق الاعتراف الاجتماعي أو الاستقلال المادي. وهنا لا ينبغي تفسير تراجع الدافعية بوصفه كسلاً أو استخفافاً، فمن منظور نفس-اجتماعي، قد يكون هذا السلوك استجابةً لتحول أعمق في تمثلات النجاح والإنجاز والمستقبل. فالجيل الذي كان يُقال له إن الدراسة الناجحة تقوده إلى حياة مستقرة، يواجه اليوم واقعاً أكثر تعقيداً، لا تبدو فيه هذه العلاقة بالوضوح نفسه. وبذلك لا يظلّ غموض المستقبل مجرد قلق يرافق الطالب، بل يتحول تدريجياً إلى عامل يعيد تشكيل علاقته بالحاضر نفسه: مقدار الجهد الذي يبذله، والأهداف التي يضعها، والمعنى الذي يمنحه للتحصيل، وحتى الصورة التي يبنيها عن ذاته وعن مكانه الممكن في المجتمع.
ولا يتوقف أثر هذا التحول عند حدود الدافعية الفردية، بل يمتد إلى الطريقة التي يعيد بها المجتمع نفسه تعريف النجاح والإنجاز. فالمعاني التي تمنحها التصورات الاجتماعية للنجاح لا تتشكل في فراغ، وإنما تُبنى من خلال النماذج التي يقدمها الواقع أمام الأفراد حيث تتحول الخبرات المشتركة إلى تصورات جماعية تحدد ما نعتبره مرغوباً أو ناجحاً أو جديراً بالسعي. فلسنوات طويلة، ارتبط النجاح في المخيال الاجتماعي بمسارٍ شبه واضح: التفوق في المدرسة، ثم الحصول على شهادة جامعية، فالالتحاق بعمل مناسب، وصولاً إلى الاستقلالية والاستقرار الاجتماعي. لكن حين يعجز الواقع عن تأكيد هذا التسلسل، تبدأ تمثلات النجاح نفسها بالتبدّل، فلا تختفي الرغبة في الإنجاز، وإنما قد تنتقل إلى مساحات أخرى يرى فيها الطالب فرصاً أسرع لتحقيق الاستقلال أو المكانة أو الاعتراف الاجتماعي. من هنا يمكن فهم انجذاب بعض الشباب إلى مسارات مهنية جديدة، كالعمل الحر، والاقتصاد الرقمي، وصناعة المحتوى، أو الهجرة المبكرة… كمسارات بديلة للإنجاز تبدو أكثر اتصالاً بالواقع الذي يعيشونه. وهكذا تتعدد صور النجاح بعدما كان المسار الأكاديمي يحتل موقعاً مركزياً فيها.
ولا يحمل هذا التحول دلالة سلبية بالضرورة، فقد يسهم في تحرير مفهوم النجاح من مجرد الاختزال في نيل الشهادة، ويمنح المهارات والكفاءات والمبادرة والإبداع قيمة أكبر. لكن الإشكالية تبدأ عندما لا يكون الانتقال من معيار قديم إلى معايير جديدة مصحوباً بمنظومة تربوية تساعد الطالب على فهم خياراته وبناء مشروع واقعي لمستقبله. عندها قد يتحول تعدد المسارات إلى غياب للبوصلة، وتتحول المرونة المطلوبة لمواجهة عالم متغير إلى شعور دائم بالتردّد وعدم اليقين.
إذاً، في الواقع اللبناني، لا تبدو المسألة أزمةً في النظام التعليمي، بقدر ما تطرح سؤالاً نفسياً اجتماعياً حول القيمة التي بات الطالب يمنحها للتعليم. فإذا كان الفرد يبني دافعيته على ما يتوقع أن يقوده إليه جهده، ماذا يحصل عندما يصبح العائد المنتظر من هذا الجهد غامضاً؟ وهنا يكمن الخطر الأعمق، وهو لا ينحصر بتوقف الطالب عن الدراسة، وإنما يتجلى بالاستمرار فيها دون ربط أهدافها بواقعه. فقد يحضر إلى المدرسة، وينجح في الامتحانات، ويُرفّع من مرحلةٍ إلى أخرى، فيما تتراجع داخلياً الصلة بين ما يتعلمه وبين الحياة التي يتخيلها لنفسه. وعندها يصبح الحفاظ على مستوى الدافعية أكثر صعوبة. فالإنسان بطبيعته يصبح أقل استعداداً للاستثمار الطويل الأمد عندما تبدو النتائج منفصلة عن مقدار ما يبذله.
ومن هنا، فإن مطالبة الطالب بالمزيد من الاجتهاد، من دون مساعدته على استعادة معنى هذا الاجتهاد، قد لا تكون كافية لمواجهة المشكلة. وهذا ما يضع المؤسسات التعليمية أمام مهمّةٍ تتجاوز نقل المعرفة وتحضير الطالب للإمتحان لتصبح إحدى مهامها الأساسية مساعدة المتعلم على بناء علاقة أكثر مرونة بين التعليم والمستقبل؛ علاقة لا تعده بأن الشهادة وحدها ستضمن له النجاح، ولا تدفعه في المقابل إلى الإعتقاد بأن التعليم قد فقد وظيفته. فالوعد الذي يحتاج التعليم إلى إحيائه لدى طلاب اليوم قد يُختصر ب: “تعلّم كي تصبح أكثر قدرة على المبادرة وصناعة الفرص”، وبهذا المعنى، تتحقق استعادة الثقة بالتعليم عبر إعادة بناء وعدٍ أكثر واقعية: تعليم يمنح المتعلم أدوات لمواجهة مستقبل متغير، بدلاً من أن يقدم له مساراً واحداً يفترض أن المستقبل سيبقى كما كان.
إذاً، وفي زمنٍ لم يعد فيه المستقبل واضح المسارات، لا تنحصر مهمة التربية بإحياء اليقين القديم بأن الشهادة تضمن النجاح، بل بمساعدة المتعلم على بناء معنى جديد للتعليم، يقوم على القدرة على التكيّف وصنع الخيارات. ومن هنا، قد يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم: كيف نعيد هيكلة التعليم بما يجعل هذا الجيل يرى في نفسه إمكانيةً حقيقية لصناعة مستقبله؟
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate