
بقلم ريما شرف الدين
أمس، لم أذهب إلى الجنوب لأغطّي جولةً وزارية فحسب…
ذهبتُ إلى المكان الذي، كلما ظنّ البعض أن الحياة فيه انكسرت، أثبت أهله أن الحياة فيه أقوى من كل شيء.
ذهبتُ إلى جنوب الشهداء، جنوب الصمود، جنوب العز والكرامة، برفقة معالي وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في جولة أرادت من خلالها أن تطلق العام الدراسي الجديد من حيث يجب أن يكون صوت الدولة حاضراً: بين أطفالها، في مدارسها، وبين أهلها.
رافقنا هذه الجولة بكل تفاصيلها؛ من صيدا إلى النبطية، ومن فرون إلى صريفا، وبرج الشمالي، وبرج قلاويه، وصولاً إلى صور.
مسافة جغرافية قطعناها في يوم واحد، لكنها كانت في الحقيقة مسافة إنسانية وعاطفية أكبر بكثير.
في كل بلدة، كان هناك وجه جنوبي مختلف… لكن الحكاية واحدة.
طفل يحمل حقيبته، معلّمة تحمل رسالتها، وأهل يحملون أملاً لا يريدون له أن يسقط.
وما لفتني لم يكن فقط المدارس وما تحتاجه، ولا حجم التحديات التي يواجهها القطاع التربوي في الجنوب، بل ذلك المشهد الإنساني الذي صنعته معالي الوزيرة ريما كرامي مع الأطفال.
اقتربت منهم… تحدثت إليهم… استمعت إليهم… وتفاعلت معهم بعفوية لافتة.
وفي لحظات كثيرة، سقطت كل الألقاب الرسمية.
لم تعد هناك وزيرة وأطفال…
كان هناك إنسانة أمام أطفال يريدون أن يشعروا بأن دولتهم تراهم وتسمعهم.
وهنا، تحديداً، ظهرت قيمة ريما كرامي التربوية والإنسانية.
فالتربية، في جوهرها، ليست منهجاً يُدرّس فقط، ولا قراراً يُوقّع، ولا خطة تُكتب خلف المكاتب.
التربية سلوك، وحضور، وقرب، وقدرة على أن ترى الإنسان قبل الملف، والطفل قبل الأرقام.
وهذا ما بدا واضحاً بالأمس.
رأينا وزيرة التربية، لكننا رأينا قبلها المربّية والإنسانة.
رأينا مسؤولة لا تكتفي بأن تعرف عدد المدارس، بل تريد أن ترى وجوه أطفالها.
لا تقرأ التقارير فقط، بل تذهب إلى الميدان لتسمع نبضه.
ولا تتحدث عن مستقبل التعليم من خلف مكتبها، بل تذهب إلى المكان الذي يبدأ فيه هذا المستقبل فعلاً: إلى المدرسة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن مسؤولة، هو أن تترك أثراً إنسانياً قبل أن تترك أثراً إدارياً.
بالأمس، تركت معالي الوزيرة هذا الأثر أيضاً.
استطاعت بحضورها، وقربها، وإنسانيتها، أن تغيّر شكل المشهد بالكامل.
فهي امرأة قبل أن تكون وزيرة، ومربّية قبل أن تكون مسؤولة، وإنسانة تعرف أن الطفل لا يحتاج فقط إلى قرار يحمي حقه في التعليم، بل إلى قلب يشعر به ويقترب منه.
كانت حاضرة كوزيرة، لكن حضورها الإنساني كان أكبر من المنصب.
امرأة في موقع القرار، اختارت أن تكون قريبة من الناس، وأن تدخل إلى المدارس لا بعين المسؤولة فقط، بل بعين المربّية التي ترى في كل طفل مشروع حياة، وفي كل مدرسة مساحة لبناء وطن.
وهذا تحديداً ما أعطى الجولة معناها المختلف.
لم تكن مجرد زيارة رسمية، بل حضوراً نسائياً وتربوياً وإنسانياً أعاد للمشهد دفأه، وللمسؤولية معناها، ولوزارة التربية صورتها الأقرب إلى الناس.
ريما كرامي بالأمس لم تكن فقط وزيرة تربية…
كانت امرأة تحمل مسؤولية وطن، ومربّية تحمل همّ جيل، وإنسانة تعرف أن أجمل ما يمكن أن تمنحه الدولة لأطفالها هو أن يشعروا بأنهم ليسوا وحدهم.
ومن هنا، لا بد من كلمة تقدير حقيقية لمعالي الوزيرة ريما كرامي.
شكراً لأنك اخترتِ أن تبدئي العام الدراسي من الجنوب، لا من خلف المكاتب والكلمات الرسمية، بل من حيث يجب أن تبدأ كل حكاية تربوية: من الطفل.
شكراً لأنك جعلتِ حضور الدولة يُرى في عيون التلامذة، ويُلمس في المدارس، ويصل إلى الناس مباشرة.
فربما قد ينسى الطفل يوماً تفاصيل خطاب رسمي، لكنه لن ينسى بسهولة مسؤولة اقتربت منه، صافحته، تحدثت إليه، وسمعته.
وهنا تبدأ التربية الحقيقية
وخلف هذه المبادرة… فريقٌ يستحق التحية
ولا يمكن أن أتحدث عن هذه الجولة من دون أن أتوقف عند فريق العمل الذي رافق معالي الوزيرة، لأن أي مبادرة بهذا الحجم لا تنجح بجهد فردي، بل بفريق يؤمن بالفكرة ويعرف كيف يحوّلها إلى واقع.
من الإعلاميين والمستشارين الإعلاميين، إلى المستشارين الطبيين والإداريين والمنسقين، وكل أفراد الفريق الذين رافقوا الجولة محطةً بمحطة، كان واضحاً حجم المهنية والانضباط والحرص على أدق التفاصيل.
تحية خاصة إلى السيدة أمل شعبان، والسيدة هيلدا خوري، والأستاذ ألبير شمعون، والسيدة مهى ضاهر، وإلى كل أعضاء الفريق الذين كانوا حاضرين في الميدان وخلف الكواليس، يتابعون وينسقون ويهتمون بكل تفصيل.
هؤلاء لم يكونوا مجرد فريق يرافق جولة رسمية؛ كانوا جزءاً من روحها.
حضور هادئ، عمل دؤوب، ومهنية لا تحتاج إلى أضواء كي تُرى.
ولكل شخص سبق إلى محطة، تابع احتياجات مدرسة، اهتم بطفل، نسّق مع فريق، أو حمل مسؤولية صغيرة ظاهرياً لكنها صنعت فرقاً كبيراً في نجاح الجولة… كل الاحترام والتقدير.
فخلف كل صورة ناجحة فريق، وخلف كل مبادرة تصل إلى الناس فريق، وخلف كل قائدة تنجح في الميدان هناك أشخاص يعملون بصمت كي تظهر الصورة بهذا الجمال.
شكراً لكل فريق معالي الوزيرة… كنتم خلف المشهد، لكنكم كنتم جزءاً أساسياً من جماله.
أما أنا، فعدتُ من الجنوب وفي داخلي صورة لن أنساها بسهولة.
صورة طفل ربما لا يعرف كل تفاصيل السياسة، ولا يفهم لغة البيانات والقرارات، لكنه يعرف شيئاً واحداً:
أنه يريد أن يذهب إلى مدرسته.
وهنا تكمن الحكاية كلها.
نحن نختلف في السياسة، نختلف في المواقف، ونختلف في قراءة الأحداث… لكن لا يجب أن نختلف يوماً على حق طفل في الجنوب، أو في بيروت، أو في الشمال، أو في البقاع، بأن يفتح كتابه بأمان، وأن يحلم بمستقبل أفضل.
لأن لبنان الذي نريده لا يُبنى فقط في القصور والمؤسسات.
لبنان يُبنى في الصفوف.
يُبنى بقلم طفل.
بصوت معلّمة.
بمدرسة تفتح أبوابها.
وبدولة تعرف أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في الإنسان.
من صيدا إلى النبطية، فرون، صريفا، برج الشمالي، برج قلاويه، وصولاً إلى صور، كان الجنوب يقول لنا بالأمس:
نحن هنا نتألم، نعم… لكننا لا ننكسر.
نحن نُصاب، لكننا نعود إلى مدارسنا.
نحن نفقد الكثير، لكننا لا نتخلى عن أحلام أطفالنا.
وهذا هو الجنوب الذي أحب.
الجنوب الذي لا يُختصر بصورة حرب، ولا بخبر عاجل، ولا بعنوان سياسي.
الجنوب الذي يكتب كل صباح فصلاً جديداً من الحياة.
ومن قلب هذا الجنوب، أقول: ليكن العام الدراسي الجديد بداية مختلفة…
بداية تحمل لأطفالنا الأمان قبل الكتب، والأمل قبل العلامات، والكرامة قبل كل شيء.
فقد يتغير كل شيء في هذا الوطن…
لكن ما يجب ألا يتغير أبداً هو أن يبقى الطفل اللبناني واقفاً أمام باب مدرسته، حقيبته على كتفه، وعيناه معلّقتان بالمستقبل.
من الجنوب بدأنا… ومن الجنوب يجب أن يبدأ الأمل.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate