الجمعة , سبتمبر 11 2026
أخبار عاجلة

حين تتكلم المسيرة ويسقط معيار الفرصة:  من تجربة 2016 إلى ملف التفرغ

 

 

بوابة التربية- د عدنان يعقوب*:

في ظل ما يشهده ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية من تعثر وتجاذبات، وعودة الحديث عن الكفاءة والإنصاف والمعايير الأكاديمية، يعود إلى الذاكرة سؤال قديم لم تفقده السنوات مشروعيته: كيف تُقاس الكفاءة فعلًا، وبأي ميزان تُفاضَل الملفات الأكاديمية؟

عام 2016، تقدّمت إلى لجان علمية في اختصاص إدارة الأعمال، ولم يُكتب لملفي القبول. لم أحوّل تلك التجربة يومًا إلى خصومة شخصية، ولم أعتبرها حكمًا نهائيًا على كفاءتي، لكنّها تركت لديّ تساؤلات أكاديمية مشروعة حول المعايير التي كانت معتمدة آنذاك، ومدى حضور المؤهلات العلمية والإنتاج البحثي والخبرة في ميزان المفاضلة.

كان بإمكاني أن أتوقف عند قرار لجنة، لكنني اخترت أن يكون الرد في مكان آخر: في الجامعة، والبحث، والتدريس، والمؤتمرات، والعمل التربوي، والاستمرار.

واصلت مسيرتي مستندًا إلى تكوين علمي متدرج تُوّج بالدكتوراه في إدارة الأعمال من كلية الاقتصاد – جامعة دمشق، بعد الماجستير في الإدارة المالية وإجازتين في إدارة الأعمال، إلى جانب الكفاءة التعليمية في تدريس مادة الاقتصاد.

وعلى المستوى الجامعي، امتدت تجربتي لأكثر من ست سنوات في التدريس في مرحلتي الإجازة والماجستير، وفي مقررات متعددة في الإدارة والاقتصاد والإدارة التربوية، من الإدارة العامة ومبادئ الإدارة والقيادة المتقدمة، إلى التسويق والموارد البشرية والاقتصاد الجزئي والكلي والتنمية الاقتصادية واقتصاديات التربية، فضلًا عن المشاركة في الإشراف على رسائل جامعية ومناقشتها وفي أعمال أكاديمية وبحثية متعددة.

أما البحث العلمي، فكان بالنسبة إليّ المعيار الأكثر موضوعية لإثبات الكفاءة. نشرت ستة أبحاث علمية محكّمة في مجلات جامعية في دمشق والجزائر والعراق والأردن والبحرين والكويت، تناولت موضوعات في الجودة الشاملة والأداء والموارد البشرية والكفايات الإشرافية والفساد الإداري والمالي والتنمية الاقتصادية واقتصاديات التعليم وعلاقتها بسوق العمل، إلى جانب المشاركة بأبحاث وأوراق علمية في مؤتمرات عربية ودولية.

وتتكامل هذه المسيرة مع خبرة تجاوزت عشرين عامًا في التعليم العام والخاص، والعمل في الإرشاد والتوجيه التربوي، والمشاركة بصفة خبير في لجنة الإشراف على المناهج الجديدة في ميدان الاقتصاد وإدارة الأعمال، وإعداد دليل توجيهي لمادة الاقتصاد ومقرر جامعي في اقتصاديات التربية، فضلًا عن المساهمة في مساعدة طلاب الجامعات على تطوير مهاراتهم في منهجيات وتقنيات البحث العلمي.

ولأن الكفاءة ليست شهادة تُعلّق على جدار، حرصت كذلك على تطوير خبرتي من خلال برامج متخصصة في الإدارة الاستراتيجية، والابتكار المؤسسي، والتنمية الاقتصادية، وإدارة الأزمات الاقتصادية والمالية، وبناء وتحليل المسوحات الميدانية، وتنمية رأس المال البشري.

اليوم، وبعد نحو عشر سنوات، لا أستعيد تجربة 2016 طلبًا لتعويض فرصة مضت، ولا اعتراضًا على شخص، ولا بحثًا عن موقع تأخر. أستعيدها لأن تعثر ملف التفرغ يعيد إلى الواجهة السؤال نفسه: هل تكفي الدعوة إلى الكفاءة والإنصاف، أم أن المطلوب أولًا أن تكون هناك معايير واضحة وشفافة وقابلة للقياس تتيح للكفاءة أن تُرى فعلًا؟

وهنا يصبح السؤال مشروعًا، بعيدًا عن الأسماء والحسابات الشخصية: إلى أي مدى كانت المؤهلات العلمية، والخبرة الجامعية، والأبحاث المنشورة في المجلات المحكمة، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، والإشراف الأكاديمي، والخبرة التربوية عناصر حاسمة فعلًا في تقييم الملفات والمفاضلة بينها؟

لا أطرح السؤال للحكم على ملفات الآخرين، فلكل ملف ظروفه ومؤهلاته، وإنما دفاعًا عن مبدأ يفترض أن يكون فوق الجميع: أن يكون المعيار الأكاديمي واضحًا، وأن تكون المفاضلة قابلة للتفسير، وأن يعرف صاحب الكفاءة لماذا قُبل أو لماذا لم يُقبل.

لقد مضت السنوات، ولم أتوقف خلالها عن التدريس والبحث والتطوير والإنتاج. وربما تكون عشر سنوات من العمل المتواصل أبلغ من أي اعتراض كان يمكن أن يُكتب عام 2016.

إن تعثر ملف التفرغ اليوم يجب ألا يكون مجرد أزمة جديدة تضاف إلى أزمات الجامعة اللبنانية، بل فرصة لإعادة طرح السؤال من أساسه: أي جامعة نريد، إذا لم يكن رأس مالها الأول هو الكفاءة العلمية والبحثية والخبرة الأكاديمية؟

فالجامعة لا تُحمى بكثرة الحديث عن الإنصاف، بل بإنصاف يمكن إثباته. ولا تُبنى الكفاءة بقرار، كما لا يستطيع قرار واحد أن يلغي مسيرة.

قد تُستبعد الكفاءة في محطة، لكن يصعب استبعادها من التاريخ حين توثّق نفسها بالبحث والتدريس والإنجاز.

ومن هنا، فإن ما أبحث عنه اليوم ليس العودة إلى قرار مضى، بل ألّا تتكرر الأسئلة نفسها بعد عشر سنوات أخرى.

لأن أخطر ما قد يصيب مؤسسة أكاديمية ليس أن يتعثر ملف تفرغ، بل أن يتعثر المعيار الذي يميّز بين الملفات.

*باحث ومحاضر جامعي

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

التربية والتعليم طريق الخلاص

    بوابة التربية- كتب علي سري الدين:   التربية والتعليم هما اللبنة الأولى في …