
بوابة التربية- كتب د. فادي مسعد:
مع بداية العام الجامعي، يستمرّ إضراب الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، فيما يبقى ملف التفرّغ رهينة التجاذبات السياسية والطائفية. وبينما ينتظر الأساتذة حلًّا ينهي سنوات من عدم الاستقرار الوظيفي، يجد الطلاب أنفسهم أمام عام دراسي مهدّد، وتواجه الجامعة أزمةً جديدةً في مرحلة تحتاج فيها إلى استعادة ثقتهم وتعزيز قدرتها على استقطابهم.
ولا يثير القلق استمرار الإضراب وحده، وإنما الخطاب الذي يحرّض المتعاقدين على مواصلته، ويقدّمه خيارًا وحيدًا، من غير أن يوضّح إمكاناته الفعلية أو عواقبه المهنية والأكاديمية. فمَن يدفع الأساتذة إلى تعطيل التدريس مطالَب بأن يبيّن لهم إلى أين يقود هذا المسار، ومَن سيتحمّل نتائجه إذا طال أمده من غير أن يحقّق التفرّغ.
تحريض يخطئ جهة الضغط
إذا كان إقرار التفرّغ يتوقّف على توافقات وقرارات سياسية تتجاوز صلاحيات إدارة الجامعة، فما جدوى توجيه الضغط إلى القاعات الدراسية؟ فالمحرّضون على استمرار الإضراب لا يحمّلون القوى السياسية صاحبة القرار الكلفة المباشرة، وإنما ينقلونها إلى الطلاب والجامعة والمتعاقدين أنفسهم.
لقد أشار عدنان الأمين، مستشار وزيرة التربية، في سياق استقالته، إلى أنّ الملف دخل في متاهة، بما يكشف تعقيد مساره وغياب أفق واضح للحل. كما لا يصحّ تحميل رئيس الجامعة، الدكتور بسام بدران، مسؤوليةً كاملةً عن ملف لا يملك منفردًا قرار حسمه. ومع ذلك، يستمرّ بعض المحرّضين في توجيه المواجهة إلى داخل الجامعة، عوضًا عن تركيزها على الجهات التي تملك القرار السياسي.
وقد يدفع اضطراب الدراسة بعض الطلاب إلى الجامعات الخاصة، ويؤدّي تراجع التسجيل إلى تقليص بعض الشُّعب والاختصاصات والساعات التدريسية. وبذلك قد يُسهم الداعون إلى التصعيد، من حيث لا يقصدون، في تقليص حاجة الجامعة إلى التعاقد؛ أي في إضعاف الموقع المهني للأساتذة الذين يزعمون الدفاع عنهم.
شعار “التفرّغ حقّ”
تستحقّ عبارة «التفرّغ حقّ» التي يرفعها بعض الداعين إلى استمرار الإضراب وقفةً نقديةً؛ إذ قد توحي بأنّ التفرّغ نتيجة تلقائية للتعاقد، مع أنّ لكلّ منهما طبيعةً مختلفةً. إن التعاقد يتيح للأستاذ تدريس ساعات محدّدة وفق حاجة الجامعة وشروط العقد، أمّا التفرّغ فهو انتقال إلى وضع وظيفي آخر، يفترض توافر حاجة فعلية إلى الاختصاص، وكفاءة علمية، وأهلية أكاديمية، والتزامًا بالأصول القانونية والإدارية.
ولا ينتقص هذا التمييز من حقوق المتعاقدين؛ فبينهم أساتذة خدموا الجامعة سنوات طويلة وتتوافر فيهم شروط التفرّغ. إلّا أنّ إنصافهم يتحقّق بمراجعة شفّافة تطبّق معايير موحّدة على المرشّحين، وليس بتحويل شعار عام إلى استحقاق تلقائي. والمشكلة في خطاب بعض المحرّضين أنّه يخلط بين حقّ المتعاقد في الإنصاف واعتبار التفرّغ حقًّا لكلّ متعاقد، متجاوزًا حاجة الجامعة، وتطابق الاختصاص مع المقرّرات، والكفاءة الأكاديمية.
مَن يحمي عقود المتعاقدين؟
يُغفل المحرّضون على الإضراب أنّ عقد الأستاذ مع الجامعة يرتّب حقوقًا والتزامات متبادلة؛ فكما يحقّ للمتعاقد المطالبة بإنصافه، يلتزم بأداء التدريس وفق شروط العقد. ومن ثمّ، قد يُعدّ الامتناع المفتوح عن العمل إخلالًا بالالتزامات التعاقدية، بحسب نصّ العقد وأنظمة الجامعة والغطاء القانوني للإضراب.
وهنا ينبغي مواجهة المحرّضين بالسؤال: هل يقدّمون ضمانات قانونيةً تحمي عقود الأساتذة، أم يرفعون سقف المواجهة ثم يتركون كلّ متعاقد يتحمّل تبعاتها منفردًا؟ إنّ دفع الأساتذة إلى مسار قد يعرّضهم للمساءلة، من غير توضيح مخاطره أو تقديم بدائل، لا يمثّل دفاعًا مسؤولًا عن حقوقهم. فمَن يحرّض على قرار مهني خطِر ينبغي أن يتحمّل مسؤوليته، وألّا يجعل المتعاقدين وقودًا لمواجهة لا يملك ضمان نتائجها.
بين التحريض والتحرّك المسؤول
العودة إلى التدريس لا تعني التخلّي عن المطالب، وإنما تتيح نقل الضغط إلى مكانه الصحيح، من خلال تحرّك مباشر ومستمرّ تجاه القوى السياسية المعنية. أمّا الإصرار على تعطيل الجامعة، من دون خطة تفاوضية أو أفق زمني، فيحوّل الإضراب من وسيلة لتحقيق الحقوق إلى استنزاف للجامعة وأهلها.
إن الدفاع الحقيقي عن المتعاقدين يجمع بين المطالبة بإنصافهم، وحماية عقودهم، وصون الجامعة التي يعملون فيها. أمّا التحريض الذي يعرّض مستقبل الطلاب والأساتذة والمؤسسة للخطر، ثم يتنصّل من النتائج، فليس موقفًا بلا كلفة أو مسؤولية.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate