
بوابة التربية- علي سري الدين:
إنّ أهمّ المشكلات التي تعترض تقدّم المجتمعات، باختصار، هي الصحة والتربية والتعليم.
فبعدما قطعت البشرية شوطًا كبيرًا في ميادين الحياة المختلفة، وأصاب التقدّم معظم مجالاتها، أصبح من أهمّ مقوّمات الدولة الحديثة أن تؤمّن لأبنائها حياةً كريمةً تليق بالإنسان، وتتوافق مع ما بلغته الشعوب من تطوّرٍ وتقدّم.
وتبقى الصحة والتربية والتعليم في مقدّمة المسؤوليات التي ينبغي للدولة أن تنهض بها؛ فالدولة التي تنجح في تأمين هذين الحقّين لمواطنيها تكون قد خطت خطوةً كبيرةً على طريق بناء الإنسان، وإعداد الأجيال، وترسيخ أسس المجتمع السليم.أمّا في وطننا لبنان، فنحن أمام مشكلتين من أخطر مشكلات الدولة والمجتمع.
أولى هاتين المشكلتين هي الصحة، إذ لا يزال اللبنانيون يفتقرون إلى نظامٍ صحيٍّ شامل يضمن لهم جميعًا حقّ الاستشفاء والعلاج على قدم المساواة، بعيدًا عن التمييز بين فئةٍ وأخرى.
والجميع يعرف واقع المؤسّسة الوطنية للضمان الاجتماعي، وتعاونية موظفي الدولة، وصناديق التعاضد في المؤسّسات العسكرية والقضائية، وغيرها من الجهات التي توفّر التغطية الصحية لفئاتٍ محدّدة من المواطنين.
ولكن، إلى متى يبقى الحقّ في العلاج مرتبطًا بالوظيفة أو الانتماء إلى مؤسّسةٍ معيّنة؟ ومتى تبادر الجهات المعنيّة إلى اتخاذ القرار الوطني الذي يضمن التغطية الصحية لجميع اللبنانيين، من دون تفرقةٍ أو استثناء؟
أليس من حقّ كلّ مواطن أن يجد العلاج حين يحتاج إليه، لا أن يصبح المرض عبئًا إضافيًّا على كاهل الفقير، أو سببًا في عجز عائلةٍ عن تأمين أبسط متطلّبات الحياة؟أمّا المشكلة الثانية، والأكثر التصاقًا بمستقبل الوطن، فهي التربية والتعليم.
إنّها أمّ المشكلات، لأنّها تتعلّق ببناء الإنسان الذي سيحمل مسؤولية الغد. وما نشهده اليوم يؤكّد غياب سياسةٍ تربويةٍ وطنيةٍ متكاملة، تستند إلى رؤيةٍ واضحة، وتضع مصلحة الطالب وحقّه في التعليم الجيّد في مقدّمة أولوياتها.
فمنذ الاستقلال، ظلّ القرار التربوي في لبنان متأثّرًا بنفوذ المرجعيات التي تمتلك المؤسّسات التربوية الخاصة أو ترعاها، ومنها مؤسّساتٌ ارتبطت نشأتها بمراحل تاريخية سابقة، ولا سيّما زمن الانتداب الفرنسي. ومع مرور العقود، لم تنجح الدولة في إرساء التوازن المطلوب بين التعليم الرسمي والتعليم الخاص، ولا في جعل المدرسة الرسمية الخيار القادر على استيعاب أبناء الوطن جميعًا، وتقديم تعليمٍ نوعيٍّ لهم.
وهنا يبرز السؤال: متى يبادر المجلس النيابي إلى إقرار سياسةٍ تربويةٍ وطنيةٍ واضحة، تعزّز موقع المدرسة الرسمية، وتؤمّن لها المعلّمين والإمكانات والتجهيزات اللازمة،وتعيد إليها دورها الطبيعي في بناء المجتمع؟
ومتى يُعاد النظر في نظام التعليم النصف المجاني، الذي يستنزف المال العام. ومتى تُراجع سياسة المنح المدرسية في مختلف القطاعات المدنية والعسكرية، بحيث تُوجَّه الأموال العامة وفق رؤيةٍ تربويةٍ عادلة، تعطي الأولوية لتطوير المدرسة الرسمية، وتضمن حقّ كلّ طفلٍ في التعليم؟
إنّ الإصلاح ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا موقفًا يُعلَن أمام وسائل الإعلام، بل هو مسؤوليةٌ وطنية تتطلّب قراراتٍ شجاعة، وإرادةً صادقة، وضمائر حيّة، ورجال دولةٍ يضعون مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والفئوية والطائفية.
فالإصلاح يحتاج إلى قراراتٍ يتّخذها أصحاب الضمير، وينفّذها الشرفاء بإرادةٍ ثابتة، مهما واجهوا من اعتراضاتٍ أو ضغوطٍ أو حملاتٍ تقودها جهاتٌ تخشى المساس بمصالحها.
وما نشهده أحيانًا في واقعنا التربوي يشبه حقل تجارب؛ يأتي مسؤولٌ يحمل مشروعًا للإصلاح، فيحاول معالجة الخلل، فإذا به يواجه مقاومةً من أصحاب المصالح، بدلًا من أن يجد الدعم والمساندة.
أمّا عامة الناس، وهم في غالبيتهم أصحاب النيات الطيّبة، فكثيرًا ما يُدفعون إلى مواقف تحكمها العاطفة والانفعال، بدلًا من الاحتكام إلى العقل، ودراسة النتائج، والبحث عن المصلحة العامة.
ولعلّ إقفال مؤسّسةٍ تربويةٍ رسمية لا يتجاوز عدد طلابها ثلاثين تلميذًا يقدّم مثالًا واضحًا على هذا الإشكال فبدلًا من أن يتحوّل القرار إلى مناسبةٍ لدراسة واقع التعليم في المنطقة، وتأمين البدائل المناسبة، وضمان استمرار حقّ الطلاب في التعلّم، تتدخّل أحيانًا قوى سياسية ومرجعيات طائفية، وتُحرّك مشاعر العصبية، بعيدًا عن السؤال الأساسي: ما القرار الذي يخدم مصلحة الطلاب، ويحفظ المال العام، ويضمن استمرار التعليم؟
إنّ المطلوب ليس إقفال مدرسةٍ لمجرّد قلّة عدد طلابها، ولا الإبقاء على كلّ مؤسّسةٍ مهما بلغت كلفتها، بل اعتماد معايير تربويةٍ وماليةٍ واضحة، توازن بين حقّ أبناء المناطق في التعليم، وضرورة ترشيد الإنفاق، ومنع هدر المال العام.
فالمعيار يجب أن يكون مصلحة الطالب والوطن، لا الحسابات السياسية والطائفية.
إنّ الخوف كلّ الخوف أن نتخلّى عن عقولنا، وأن نبقى أسرى كهوف المصالح الضيّقة، التي لا تنتج إلّا مزيدًا من التخلّف والانقسام والفساد.فإلى متى يبقى الجهل مسيطرًا على قراراتنا؟
وإلى متى نسمح للعصبيات أن تتقدّم على العقل، وللمصالح الخاصة أن تتغلّب على المصلحة الوطنية؟
إنّ المدرسة الرسمية ليست مجرّد مبنى يضمّ صفوفًا ومقاعد وطلابًا، بل هي مؤسّسة وطنية جامعة، ومدرسة الفقراء والشرفاء، والفضاء الذي يستطيع فيه أبناء الوطن أن يلتقوا على مقاعد العلم، بعيدًا عن الحواجز الاجتماعية والطائفية.
وهي، حين تتوافر لها مقوّمات النجاح، تصبح رافعةً للعدالة الاجتماعية، ووسيلةً لبناء المواطن الواعي، وحصنًا يحمي الأجيال من الجهل والتبعية.
ومن هنا، فإنّ الوقوف إلى جانب المدرسة الرسمية ليس دفاعًا عن مؤسّسةٍ إدارية فحسب، بل هو دفاعٌ عن حقّ الفقير، وكرامة المعلّم، وعدالة الفرص، ووحدة المجتمع، ومستقبل الدولة.
فمن لا يقف إلى جانب المدرسة الرسمية، ولا يدعم إصلاحها وتطويرها، إنّما يساهم، عن قصدٍ أو من دونه، في إضعاف إحدى أهمّ ركائز الوطن، ويفتح الباب أمام مزيدٍ من التفاوت والفساد والانقسام.
إنّ بناء الأوطان لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بإنسانٍ صحيح، وعقلٍ متعلّم، ومدرسةٍ عادلة، ودولةٍ تعرف أنّ مسؤوليتها الأولى هي خدمة مواطنيها، لا خدمة أصحاب النفوذ والمصالح.
فالصحة حقّ، والتعليم حقّ، والعدالة حقّ؛ ولا يمكن لوطنٍ أن ينهض ما لم تصبح هذه الحقوق أساسًا في سياساته وقراراته.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate