
بوابة التربية- علي سري الدين:
إنّنا نعيش مرحلةً من أقسى المراحل وأصعبها في تاريخ البشرية؛ مرحلةً نشعر فيها كأنّنا في نفقٍ مظلمٍ وموحش، على الرغم من امتلاكنا الطاقة الشمسية ومختلف أنواع مصادر الضوء.
إنّنا نعيش في ظلمةٍ نسج خيوطها أصحاب النفوذ، مستعينين بعلمهم وخبراتهم، ليتحكّموا بمصائر الأفراد، ويُحكموا سيطرتهم على الأمم والمجتمعات.
كم هو جميلٌ أن نعيش عظمة التطوّر والاختراعات! وكم هو رائعٌ أن تصبح بين أيدينا آلاتٌ تختصر المسافات، وتنقلنا إلى أبعد الأماكن، وتتيح لنا التواصل مع مَن نريد، مهما ابتعدت المسافات وتباعدت القارات!
ما أروع العقل البشري وما أعظم إبداعه، لو سخّر طاقاته لخدمة البشرية جمعاء، لا للسيطرة عليها، ولا لفرض مشاريعه الجهنمية التي تهدّد أمن الإنسان واستقراره ومستقبله.
أمّا وقد بلغنا ما بلغناه من تطوّر، وأصبحنا نعيش، نحن وأبناؤنا وأحفادنا، تحت تأثير هذه الآلات والمشاريع التي قد تتحوّل إلى أدواتٍ للهيمنة والتحكّم، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما دورنا؟ وكيف نستطيع أن نؤدّي واجبنا تجاه أجيالنا ومجتمعاتنا؟
أوّلًا، علينا أن نعود إلى بيوتنا، وأن نتحصّن بالوعي، ونحمي أبناءنا وأهلنا من مخاطر هذا العصر، ثم نحمل رسالتنا إلى المجتمع بأسره، من خلال المؤسسات التربوية، والجمعيات، والأندية، والبلديات. وما أجمل أن نؤدّي نحن، معشر المربّين، دورنا في هذه المسيرة، مستندين إلى خبرتنا الطويلة في بناء العقول، وتهذيب النفوس، وغرس القيم الإنسانية والوطنية!
علينا أن نطلق حركةً توعويةً واسعةً، تكشف ما وقعنا في براثنه من مخاطر، وتساعد الأجيال على التمييز بين ما ينفع الإنسان وما يستعبده، وبين ما يحرّر العقل وما يقيّده.
إنّ التركيز على إنشاء المكتبات العامة، وتشجيع الأجيال على العودة إلى قراءة الكتب، يشكّل خطوةً أساسيةً في بناء العقول، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
وكذلك، فإنّ الاهتمام بالرياضة البدنية، وتشجيع الشباب على ممارستها، يساعدان على استثمار الطاقات استثمارًا إيجابيًّا، وتحقيق التوازن بين الجسد والعقل، وإبعاد الأجيال عن كثيرٍ من الآفات والممارسات التي تستنزف طاقاتهم وتسرق مستقبلهم.
ولعلّ من أهمّ الوسائل التربوية التي ينبغي أن نوليها عنايتنا إنشاء الجمعيات الكشفية ودعمها؛ فهي تحتضن الأجيال، وتبني الشخصيات، وتغرس روح التعاون والانضباط والمسؤولية، وتعلّم الناشئة محبّة الطبيعة، واحترام الآخر، والعمل بروح الفريق، وتحصّنهم بالقيم التي تبعدهم عن الشرور والانحرافات.
يا مَن تحملون مسؤولية الوطن، لا تكونوا بعيدين عن أداء واجبكم! بادروا إلى العمل، ولا تجعلوا اهتمامكم مقتصرًا على تشييد الأبنية، أو تعبيد الطرق، أو إقامة المنشآت،على أهميّة هذه الأعمال وضرورتها. فليست قيمة الأوطان بما ترتفع فيها من جدران، ولا بما تمتدّ فيها من طرقات، بل بما تبنيه من عقول، وما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم، وما تفتحه أمامهم من آفاقٍ نحو مستقبلٍ أفضل.
إنّ القيمة الأسمى تكمن في بناء الأجيال على الطريق القويم، وفي ممارسة قيادةٍ مسؤولةٍ تسهم في زرع المحبّة، وتعزيز الوحدة الروحية والوطنية، وإقامة الجسور بين مكوّنات المجتمع، بدلًا من بناء الحواجز التي تفرّق بينها.
فلنجعل الإنسان غايتنا، والتربية رسالتنا، والمعرفة سلاحنا، والمحبّة جسرنا إلى الآخرين، والوحدة طريقنا إلى وطنٍ أكثر عدلًا ورقيًّا وأمانًا. دوموا للحقّ، وواصلوا النضال من أجل الخير والإنسان، وابنوا مجتمعًا موحّدًا وراقيًا، قادرًا على مواجهة تحدّيات العصر، وصناعة مستقبلٍ يليق بأبنائه.
بوابة التربية – Tarbia gate بوابة التربية – Tarbia gate