السبت , أكتوبر 31 2026

دفاتر مُوقَّعة وقاعات فارغة: التعليم بعد الظهر في الجامعة اللبنانية تحت المساءلة

 

بوابة التربية- كتب د. فادي مسعد:

 

يستدعي التعليم بعد الظهر في الجامعة اللبنانية مراجعة تربوية وإدارية جادة، تقيس فاعليته وكلفته ومدى ملاءمته لظروف الطلاب؛ فقد نشأ هذا النمط استجابة لحاجات فعلية، منها استيعاب أعداد الطلاب، وتغطية المقررات، ومحدودية القاعات. غير أن توسعه في بعض الكليات والفروع جعله عبئاً محتملاً على الطالب والأستاذ والجامعة.

أدى نظام التعاقد بالساعة دوراً أساسياً في سد حاجات الجامعة، ولا سيما خلال توسع فروعها وازدياد أعداد طلابها، ومع تعثر ملف التفرغ، اتسع الاعتماد على المتعاقدين، وأصبح تنظيم بعض الجداول مرتبطاً بأوقاتهم المتاحة. وتظهر المشكلة حين يثبت بعض الأساتذة مواعيد تدريسهم في الجامعات الخاصة صباحاً، ثم يخصصون للجامعة اللبنانية ساعات ما بعد الظهر. وهكذا قد يبنى الجدول وفق ما تبقى من وقت الأستاذ، فيما تتراجع أولوية الطالب وفاعلية التعليم.

ولا تشمل هذه الممارسة جميع المتعاقدين؛ فكثير منهم ملتزمون بواجباتهم ويعملون في ظروف مهنية ومعيشية صعبة، كما قد تحتاج بعض البرامج إلى حصص متأخرة بسبب كثافة استخدام القاعات أو طبيعة المقررات التطبيقية. لذلك تتعلق القضية بضبط التعليم بعد الظهر، وتحديد الحالات التي تسوغه، وتقويم نتائجه في كل كلية وفرع وبرنامج.

تتضح آثار الخلل عندما يحضر الطالب منذ الصباح، ثم ينتظر ساعات قبل بدء حصة متأخرة. وقد يدفعه الإرهاق أو صعوبة التنقل أو الالتزامات العائلية إلى مغادرة الجامعة. وتزداد المشقة شتاءً، حين يقصر النهار وتتراجع وسائل النقل مساءً، ولا سيما لدى الطلاب القادمين من مناطق بعيدة، كما ترتفع الكلفة اليومية على أسر تعاني ضغوطاً اقتصادية قاسية.

وتمتد المشكلة إلى بناء البرنامج التدريسي نفسه؛ فقد تخضع مواعيد بعض المقررات لرغبات الأساتذة وارتباطاتهم الخارجية، فتجمع حصصهم في أيام محددة أو تؤخر بما يناسب عملهم خارج الجامعة. وقد تفتح شعب، أو يعاد توزيع مقررات، حفاظاً على ساعات اعتادها أستاذ في سنوات سابقة. وعندئذ تنعكس العلاقة الطبيعية بين البرنامج وأساتذته، فبدل أن تحدد الخطة الأكاديمية الحاجة، ثم يختار الأستاذ الأنسب، يصبح البرنامج خاضعاً لتوازنات الأشخاص وأوقاتهم.

والأخطر أن تتحول الساعات والمقررات إلى مكتسبات شخصية يصعب المساس بها، ولو تغيرت حاجات البرنامج أو أعداد الطلاب؛ فالبرنامج الأكاديمي ملك للجامعة وطلابها، وليس مجموعة حصص توزع لإرضاء هذا الأستاذ أو ذاك. وتقتضي سلامة العمل الجامعي أن تحدد لجنة البرامج المقررات وفق مخرجات التعلم، وأن تحصر اللجنة العلمية الحاجات الفعلية، ثم يوزع مجلس القسم التدريس بحسب الاختصاص والكفاءة ومصلحة الطلاب.

وهنا يطرح سؤال المسؤولية الإدارية بوضوح: أين رئيس الجامعة من تعهده بجعل التعليم قبل الظهر أساساً لتنظيم الدراسة؟ لقد عاين بنفسه، خلال زياراته لبعض الكليات، فراغ قاعات من الطلاب في ساعات بعد الظهر، كما عاين غياب بعض الأساتذة، على الرغم من وجود توقيعاتهم في دفاتر الدوام. وهذه الوقائع لا يجوز أن تمر بوصفها ملاحظات عابرة، لأنها تمس صدقية سجلات الحضور وفاعلية الرقابة وحسن إنفاق المال العام.

إن التوقيع في دفتر الدوام لا يثبت وحده تنفيذ المحاضرة، كما أن إدراج الحصة في الجدول لا يثبت حضور الطلاب وتحقيق الغاية التعليمية. وعندما يتعارض السجل المكتوب مع الواقع الذي عاينه رئيس الجامعة، تصبح الرئاسة ملزمة بفتح تحقيق موثق يحدد الحصص المنفذة، وأوقات حضور الأساتذة، وأعداد الطلاب، والجهات المسؤولة عن التدقيق في السجلات.

تقتضي المسؤولية مطابقة دفاتر الدوام بالجداول الرسمية، وسجلات فتح القاعات، وتقارير تنفيذ الحصص، والحضور الطلابي. وكل توقيع يثبت عدم مطابقته للحضور الفعلي يستوجب تحقيقاً إدارياً وتحديداً واضحاً للمسؤوليات؛ فالمطالبة بالتحقيق لا تستهدف الأساتذة الملتزمين، وإنما تحميهم من تعميم الشك، وتحفظ للجامعة صدقيتها.

وبعد المعاينة والتعهد، لم يعد كافياً إصدار توجيهات عامة إلى العمداء والمديرين. تقاس جدية القرار بخطة تنفيذ تتضمن مهلة زمنية، وتقارير متابعة، ونتائج معلنة ضمن الأطر الإدارية. فإذا استمرت الحصص المتأخرة والغيابات والفجوات الطويلة في الجداول، فإن المسؤولية تتجاوز المخالفة الفردية لتشمل ضعف المتابعة من رئاسة الجامعة ومجالس الوحدات ومديري الفروع.

ويرتبط الأمر كذلك بحماية المال العام؛ فكل ساعة تخصص لها اعتمادات مالية ينبغي أن تقابلها حاجة فعلية وحصة منفذة وأداء أكاديمي قابل للتحقق؛ كما يرتب التعليم المتأخر نفقات إضافية للكهرباء والتدفئة والحراسة والنظافة وتشغيل المباني. ومن حق الجامعة، بل من واجبها، أن تقارن هذه الكلفة بعدد الطلاب الحاضرين والنتائج التعليمية المحققة.

ينبغي أن تتضمن إعلانات التعاقد الفترات المطلوبة للتدريس، حتى يتقدم المرشح وهو عالم بمواعيدها. وتوزع المقررات وفق الاختصاص والكفاءة، ثم تراعى رغبات الأساتذة في حدود مصلحة الطلاب. ويوثق التوزيع في محاضر رسمية، وتراجع الحصص التي ينخفض فيها الحضور بصورة متكررة، مع تحديد أسباب الغياب ومعالجتها.

يمثل التعليم بعد الظهر خياراً قد تفرضه ظروف بعض البرامج، لكنه يحتاج إلى ضوابط تمنع تحوله إلى ترتيب يخدم توافر الأستاذ أكثر مما يخدم تعلم الطالب. وبعدما عاين رئيس الجامعة فراغ القاعات والتفاوت بين الحضور الفعلي والتوقيعات المسجلة، أصبحت المعالجة مسؤولية مباشرة لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

إن المعاينة تستدعي التحقيق، والتعهد يستلزم التنفيذ، والرقابة تفقد معناها حين تبقى المخالفات المحتملة من دون متابعة. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق اعتماد أي حصة متأخرة: هل يمثل هذا الموعد أفضل خيار للطلاب والبرنامج، أم أنه الحل الأسهل لتنظيم ساعات الأستاذ؟ والإجابة الموثقة عن هذا السؤال هي المدخل إلى حماية وقت الطلاب والمال العام وجودة التعليم.

 

 

عن tarbiagate

شاهد أيضاً

جودة الدكتوراه بين كفاية الباحث ومسؤولية المؤسسة

  بوابة التربية- كتب د. عدنان يعقوب*: تُقاس جودة برامج الدكتوراه بقدرتها على إعداد باحثين …